قراءة فلسفية في معنى ((بلسان عربي مبين))

قراءة فلسفية في معنى ((بلسان عربي مبين))

22-03-2026 10:22 PM

جاءت هذه المقالة بعد انتشار طرحٍ رقميّ يُشكّك في ((عربية القرآن)) استنادًا إلى وجود ألفاظ يُقال إن جذورها غير عربية، وكأن هوية النص تُحسم عبر تتبّع أنساب مفرداته لا عبر فهم بنيته ووظيفته. هذا الطرح يعكس (خللًا أعمق في تصور اللغة نفسها) لذلك تبدو الحاجة ملحّة إلى معالجة فلسفية حديثة تميّز بين (تاريخ الكلمة) و(انتمائها الفعلي) الكلمة بين (الأصل والاستعمال)ثمّة فرق حاسم بين سؤالين:
أين وُلدت الكلمة؟ وإلى أي لغة تنتمي حين تُستعمل؟
الأول {سؤال تاريخي}، أما الثاني فهو سؤال {معرفيّ تداولي}. فالكلمات لا تعيش في الماضي بل في ألسنة الناس. وقد تولد في بيئة لغوية ثم تندمج في أخرى حتى تفقد غرابتها تمامًا. إن الأصل الاشتقاقي يشبه شجرة النسب، لكنه لا يحدد الهوية الراهنة.اللغة كائن حي لا قاموس مغلق لا توجد لغة بشرية نقية، فكل اللغات الكبرى نتاج تفاعل حضاري طويل. العربية قبل الإسلام كانت في قلب شبكة اتصال واسعة مع (فارس والشام والحبشة) وغيرها، فانتقلت إليها ألفاظ كما انتقلت منها ألفاظ إلى غيرها. لكن انتقال الكلمة لا يعني بقاءها غريبة؛ إذ تعيد اللغة تشكيلها صوتيًا ودلاليًا حتى تصبح جزءًا من نسيجها.
متى تصبح الكلمة عربية؟؟؟؟
تصبح الكلمة من لغة ما عندما يفهمها أهل تلك اللغة دون ترجمة، وينطقونها وفق نظامهم الصوتي، ويستعملونها في خطابهم الطبيعي. عندئذ لا تعود (دخيلة)بالمعنى الفعلي، بل عنصرًا من الوعي اللغوي الجماعي. وهذا ما كان قائمًا في لسان العرب زمن نزول القرآن.
معنى (بلسان عربي مبين)
الآية لا تتحدث عن نقاء اشتقاقي، بل عن وضوح دلالي.(عربي)هنا يعني منسوبًا إلى لسان العرب الذي يتخاطبون به،و(مبين)يعني واضحًا مُظهِرًا للمعنى.أي أن معيار العربية هو قابلية الفهم، لا أصل المفردة. فالخطاب لا يكون عربيًا لأنه خالٍ من كل تأثير خارجي، بل لأنه يعمل داخل النظام اللغوي للعرب ويؤدي وظيفته التواصلية بينهم.
الدليل التاريخي الحاسم
العرب الذين عاصروا نزول القرآن لم يعترضوا قائلين إن لغته غريبة عنهم، بل دخلوا معه في صراع بلاغي وفكري. ولو كان غير مفهوم لهم لكان أسهل رد: (هذا ليس من لغتنا) لكنهم فهموه وتأثروا به، ثم اختلفوا حول مصدره لا حول لغته.
خلاصة
إن البحث في أصول الكلمات لا يكفي للحكم على هوية النص، لأن اللغة ليست مجموعة ألفاظ منفصلة بل نظام حيّ من المعاني. و(القرآن عربي) لأنه خوطب به العرب ففهموه، لا لأن كل كلمة فيه وُلدت في جزيرتهم.
فالهوية اللغوية لا تُمنح بالميلاد، بل تتشكل بالاستخدام. ومن ثمّ فإن ((بلسان عربي مبين)) تعني أن الوحي جاء داخل اللغة الحية للناس، لا داخل نموذج مثالي متخيَّل للغة لم يوجد في التاريخ.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد