حكمة راعي..

الكاتب : صابر العبادي
بينما كنت أذرع الجبال والوهاد ماشياً، صادفت قطيعا من الغنم بكامل تجهيزاته، من الكلب الى الحمار... كان الراعي، يجلس على ربوة يشاهد منها الجميع، ويوجه كل خارج عن النظام بصوت حاد يتناسب مع مخالفته.. 
قادني طريقي اليه، وكان أمامه ابريق شاي مُعتّق خبر نكهة الشاي وخبأ سرها عبر الأجيال، شربت معه الشاي الوحشي، فكأنما حيزت لي طقوس الشاي من سيلان الى لندن..
تجاذبنا أطراف الحديث، وكانت أسألتي تتعلق بالقطيع الذي أمامي...
قال بعد أطرق قليلا: هناك فرق كبير وبون شاسع بين الأغنام والماعز.. 
- الأغنام البيضاء ذات الصوف الأبيض، من طبعها أنها تنقاد لمن يقودها وتتبعه ولا تصخب عليه.. أما الماعز فهي التي يكسوها الشعر وذات قوائم مرتفعة ولها ألوان عدة، وتسمى السمرا تغليباً، ومن طبعها أن فيها مكرا ممزوجا بطمع، فهي لا تنقاد لراع ولا تتبع مرياعاً، ويسكنها القلق دائما مما يجعل تصرفاتها عشوائية، فإن أردتها تتجه لليمين تذهب شمالاً، وإن أردت لها الخير هربت منك، ولا ينضبط لها سلوك الا إذا كانت أقلية مع أغنام بيضاء مطيعة، فتنجر معها وتتبع خطاها، ومع ذلك لا تترك طبعها..
- ومن صفاتها أن رأسها دائما مرفوعا، لفراغه من العقل، فلو وضعتها في جنة خضراء لأهملتها وتطلعت الى بلاقع حولها "تشن" وتبقى مستنفرة ومستفزة طوال الوقت لا تهدأ، لطمع أو لحركة خبيثة... تحسب كل صيحة عليها.
- ولأن ليس لها ذاكرة، فلا تخزن المعلومات، وبالتالي لا تستفيد من التجارب، فقد تنخدع عشرات المرات دون ان تتقي من خادعها..
-قاطعته.. من عجيب ما سمعت منك أنك تتكلم عن الماعز وكأنها فئات من البشر!!!
ضحك ونظر الى الأرض كأنه ينظر الى نفسه إعجابا بها وقال: الفرق بين الماعز والبشر، العقل والتكليف الرباني، فإذا تخلى البشر عن العقل وتبعوا غرائزهم تفوقت عليهم الماعز، لأنها مضبوطة غرائزيا، والانسان المتخلي عن العقل يغرق في فوضى الغرائز..
فإذا ملك طغى وتجبر، وأكل أموال الناس بالباطل، ولا يترك رذيلة إلا أتاها..
وإذا افتقر وجهل، تعلق بأهل المال والمناصب، معجبَا مكبِرا لهم الى حد التقديس.
- لقد مارست كل ما تراه على الساحة الاجتماعية والسياسية، وخالطت الناس للنهوض بهم، فوجدت كثيرا منهم كالكائنات التي حدثتك عنها سابقاً، حتى غدوت منهم كما قالت العرب: أجهل من راعي ضأن ثمانين.. فأدركت أن خير مالي غنما أتبع بها شعف الجبال... فتركتهم وصحبت هذه التي تعترف أنها غنم، أما الاخرون فلا يعترفون ببهيميتهم..
-قلت له: الناس الذين يتسمون بالفردية، ما نتيجة فرديتهم على المجتمع كونك كنت ناشطا؟
- الضياع والجهل وهدر الطاقة بلا هدف، فاذا كان الشخص لا يعرف الا أهواءه ولا يرى الا نفسه، ويقع في الاخطاء مرة بعد مرة، وذاتيته وأطماعه تحجب عنه التفكير السليم والتعلم ، وتراه اذا خُيّر بين الحق والباطل هرب الى الباطل، مع ان باب الحق أوسع.. وحرم الجماعة من التكاتف والدفاع عن أهدافها التي تحقق سعادتها، لأنه لا يعرف إلا أطماعة وعلى الناس أن تؤمن بأطماعه لفرط أنانيته.. فهاهم يتنافخون ويتعادون ويتناجشون إذا رمت لهم الحكومة طُعماً لتنشر الفوضى وتبقى مسيطرة عليهم وتنهب خيراتهم...