كروية الأرض ومركزية الشمس

الكاتب : محمد فندي
بداية، يقول المنهج العلمي للبحث اللذي وضعه الحسن ابن الهيثم في أحد بنوده والذي ما زال يدرس في كافة كليات الدراسات العليا في جامعات العالم حتى وقتنا الحاضر:- أنه ينبغي على الباحث تحرير نفسه من أية معتقدات سابقة تتعلق بموضوع بحثة حتى لا يتأثر بهذه المعتقدات السابقة ويقوده بحثة الى اتجاه خاطئ. يرجع أقدم توثيق موثق لمفهوم الأرض الكروية إلى حوالي القرن الخامس قبل الميلاد ، عندما أشار إلى ذلك فلاسفة يونانيون أمثال أرسطو المناقض تماما لمفهوم بطليموس اللذي يقول إن الأرض منبسطة وهي مركز الكون لكن ارسطوا وقع في خطأ عندما اعتبر أن الأرض هي مركز الكون وان الشمس والقمر وباقي الكواكب تدور حولها. في القرن الثالث قبل الميلاد اعتمد الفلكيون الإغريق الشكل الكروي للأرض كحقيقة مادية بل وحسبو محيط الأرض. تلا ذلك اعتماد الفلكيين في جميع أنحاء العالم القديم خلال العصور القديمة والعصور الوسطى فكرة كروية الأرض. لكن الجدل بقي قائما إلى أن حقق ماجلان دورة كاملة حول الأرض بالإنطلاق غربا من البرتغال عبر المحيط الأطلسي عام 1519 مرورا بالمضيق اللذي سمي باسمه والواقع في أقصي جنوب أمريكا الجنوبية عرضًا عمليًا لكروية الأرض حيث استمر بالإبحار غربا بعد إجتيازه هاذا المضيق في رحلة استمرت قرابة ثلاثة أشهر عبر المحيط الهادي وصولا إلى الفلبين.
 
أبو الوليد ابن رشد القرطبي ينتقد أيضا نظام بطليموس اللذي اعتبر أن الأرض مسطحة باستخدام الحجج الفلسفية بأن الكواكب والنجوم تدور بحركة دائرية حول الأرض الكروية مفترضا بأن هذه الكواكب تدور حول الأرض على هيئة ثلاث حركات كونية وهو ما يتطلب أدوات للمراقبة اضافة الى التفكير الفلسفي. في عام 1153 لاحظ ابن رشد ومعه ابن باجة بقعا على الشمس اعتبروها مرورا لكوكب الزهرة بين الأرض والشمس. في سبيل دعم كروية الأرض سافر إبن رشد الى مراكش حيث لاحظ النجم سهيل اللذي لم يكن بمقدوره رؤيته في خط عرض موطنه في قرطبة مؤكدا بذلك كروية الأرض. حاول أيضا في جهده العلمي أصلاح علم الفلك لربطه بالفيزياء خلافا لغالبية علماء الفلك العرب والأندلسيين في عصره اللذين ركزوا على علم الفلك الرياضي. أثرت أعمال ابن رشد على عالم الفلك نور الدين البتروجي الذي تبنى معظم مبادئ ابن رشد الفلكية الإصلاحية ونجح في اقتراح نظام فلكي مبكر يعتمد على الفيزياء او ما هو ملموس وموجود.
 
بقي المفهوم القائل أن الأرض مركز الكون حتى جاء كوبرنيكوس الراهب البولندي اللذي ولد في عام 1473 ودرس في ايطاليا الطب وعلم اللاهوت حيث نادى بمركزية الشمس وبأن الكواكب ومن ضمنها الأرض تدور حول الشمس وذلك في كتابه المنشور عام 1543 الأمر اللذي أدى إلى محاربته بل ومطاردته من قبل الكنيسة وهو ما حصل أيضا مع جاليليو في ايطاليا. يوهانس كيبلر من جانبه حدد في القرن السابع عشر بدقة اكثر أن الأرض والكواكب تدور حول الشمس في مسارات بيضاوية على خلاف كوبرنيكوس اللذي اعتبرها دائرية. مركزية الشمس أيضا نادى به بعض الفيتاغورثيون في القرن الخامس والرابع قبل الميلاد القائل بان الأرض ومعها الكواكب الأخرى تدور حول كتلة نارية خلافا لبطليموس.
 
مفهوم الأرض الكروية ناقض تماما فكرة الأرض المسطحة أو المنبسطة اللذي ورد في الأساطير المبكرة لبلاد ما بين النهرين التي صورت الأرض بقرص مسطح يطفوا على سطح المحيط مع قبة سماوية نصف كروية فوق هاذا القرص. الكتابات الفارسية القديمة من جانبها صورت شكل الأرض بجبل كوني ذو سبع طبقات. مفهوم الأرض الكروية بقي حتى القرن التاسع عشر عندما وصفه إسحاق نيوتن بدقة أكبر بأنه بيضاوي وهو ما أكده نظام المساحة العالمي لوزارة الدفاع الأمريكية في الستينات من القرن الماضي.
 
في حياتنا غالبا ما نواجه أناسا ما زالوا يعتقدون بأن الأرض منبسطة وليست كروية حتى الوقت اراهن لأسباب ميثولوجية غير مقنعة، وفي تبرير ذلك يشككون أن الإنسان صعد أصلا إلى الفضاء وهبط على سطح القمر استنادا الى مصادر في غالبيتها غير موثوقة تشكك في هبوط اول إنسان على سطح القمر عام 1969. سفر الإنسان في مركبه نحو القمر مكنه من النظر الى الأرض من بعيد اثناء سفره في الفضاء سواء نحو القمر أو أثناء العودة منه او حتى أثناء سفر المراكب الغير مأهولة المزودة بكاميرات عالية الدقة في اتجاه كوكب المريخ اللذي نستطيع رؤية كرويته حتى من على سطح الأرض نفسها. فاذا كانت كل كواكب المجموعة الشمسية كروية كما نرصدها من على سطح الأرض بالتليسكوبات فلماذا تكون الأرض استثناء طالما هي جزء من مجموعتنا الشمسية. لن نخوض هنا في صحة الأمور التي استند اليها البعض في برهانه على أن الأرض مسطحة من عدمها لأسباب تتعلق بالتجرد العلمي من أية معتقدات سابقة طبقا للمنهج العلمي للبحث.
من خصائص المادة الأساسية أنه عند تشكلها في ظروف منعزلة عن اي تأثير خارجي بحيث يقل كثيرا عامل الجاذبية كما في الفضاء الخارجي أو حتى في الغلاف الجوي انها تميل إلى الانكماش حول مركزها. هاذا ما نلمسه في تشكل حبات البرد أو قطرات المياه بحيث تأخذ شكلا كرويا. لو طبقنا ذلك على الأرض والكواكب الأخرى في مرحلة تشكلهما في ظروف قلت فيها الجاذبية بين الجسم الآخذ في التشكل والاجرام السماوية البعيدة عن الموقع الكوني للجرم السماوي اللذي يتشكل فإن هاذا الجرم يمر في حالة المادة الثلاث انتقالا من الحالة الغازية إلى السائلة وصولا إلى الحالة الصلبة نجد أن المواد الاثقل تغوص ناحية المركز تليها الاخف والأخف وصولا إلى جسم مادي كروي الشكل .لنذهب إلى ظاهرة أخرى واقعية وهي ظاهرة التوتر السطحي للمياه والسوائل بشكل عام نجد أنه اذا قلت أو انعدمت قوى الالتصاق بين أي سائل مع اي سطح يأخذ هاذا السائل شكلا كرويا كما هو الحال في قطرات الزئبق عند سكبه على اي سطح وكذلك قطرات المطر على جسم أملس كفاية. من المعروف علميا أن جزيئات أي غاز هي في حالة حركة عشوائية دائمة، وعند وضع هاذا الغاز في وعاء تبدأ جزيئاته تضرب وتضغط على جميع مساحة الوعاء الحاوي للغاز. لو أخذنا على سبيل المثال أنبوبة الغاز المعبأة بغاز في حالته السائلة. هل ضغط الغاز داخلها في اتجاه واحد ثابت أم في جميع الاتجاهات. ضغط الغاز بكل تأكيد يحدث في جميع الاتجاهات. فلو كانت أنبوبة الغاز مائعة نوعا ما ستبدأ الانبوبة بالتكور تماما كما يحصل عند نفخ بالونات الأطفال.
 
العلم يتطلب التجرد عن اية نظريات سابقة عند القيام بالبحث العلمي حتى لا نخطئ بالنتائج متأثرين بنظريات سابقة. تماما كما حصل في السياق التاريخي للكيميائين والفيزيائين اللذين في مرحلة معينة قسم منهم انكر إمكانية انشطار الذرة ليتبين لاحقا إمكانية انشطارها. فلو كان هدف الباحث في بحثه إثبات أن الذرة لا يمكن انشطارها لوقع في خطأ جسيم يعيق تقدم العلم.
 
التشكيك في الحقائق العلمية الثابتة يقود الى التجهيل وهذه السياسة مارستها القوى الإستعمارية في العالم العربي. لذا لا ينبغي أن نعود ونكون ادوات محلية تخدم ما عجز عنه الإستعمار في مرحلة سابقة. المتتبع للسياسة الصهيونية يكتشف تراجع كبير في التعليم خاصة في الضفة الغربية بين الذكور لأسباب تجبر الشباب على الإنخراط في العمل لإعالة أسرهم وذويهم في ظل أوضاع معيشية صعبة تجبرهم على التخلي عن التعليم. هاذا الأمر مارسه الفرنسيون والإيطاليون والإسبان بنشاط في المغرب العربي ومارسه الإنكليز في المشرق العربي أيضا بما يسهل على هذه القوى الإستعمارية والاستيطانية السيطرة على الإنسان العربي حتى من بعيد بفضل جهل البعض منا.