نظرة الوداع تلك

الكاتب : ابراهيم محمود ابو عجمية

ليلة أمس ، أقبل عليّ الليل غامضا كعادته ، كنت تناسيت طيلة ليالي الصيف الفائت حتى كدت .. ولكن أنين الرياح في الخارج ، ووقع حبات البرد على النوافذ ظلا يحكمان الحصار حول ذاكرتي حتى استسلمت....


أحسست بالبرودة تغزو كياني كلّه .. فنظرتك لا تزال محفورة بقلبي لحظة الوداع وعبثا حاولت تذكّر نظرة فرح واحدة .. نظرة عينيك مثلا حين التقينا أول مرة .. كان الوقت شتاء والطريق خاليا تسيرين أنت في اتجاه وأنا أسير في الإتجاه المعاكس كانت نظراتنا إلى أسفل نتقي عصف الرياح ولهذا اصطدم كلّ منّا بالآخر .. رفعت رأسي ببطء وفعلت أنت كذلك وحين تقابلت نظراتنا صمت كل شيء..هدأت الرياح ، وتوقف تساقط أوراق الشجر ، وصدح بلبل حولنا واخضرّت الدنيا بأسرها عندما تألّق اخضرار عينيك وسرى الدفء إلى جسمي .. وجهي لم يحمرّ خجلا صدقيني كان احمراره دفئا في تلك اللحظة ..
- آسف


وغمغمت أنت : وأنا آسفة كذلك


كما لو أن فرقة بلابل كاملة صدحت .. خشيت منك فهربت متعثرا
وأنتبه على صوت الرياح المزمجرة وصوت حبات البرد التي تحاول جاهدة حفر ذاكرتي بالبحث عن نظرة فرح أخرى عبثا ... مساء آخر يوم لي معها كنت أنهيت آخر اختبار لي في الجامعة يممت وجهي شطر بيتها طرقت الباب مرة ومرتين لم أنتبه لفرط فرحي أن البيت مظلم تماما أطلّ عليّ من البيت المجاور طفل قي السابعة أو الثامنة قال بلهجة آمرة
كفّ عن الطرق لقد أزعجتنا
- أريد جيرانكم
قال بجدية : وصلت متأخرا طائرتهم ستقلع في التاسعة


عصفت الرياح بقوّة ..أحسست لحظتها بالقشعريرة أخذت برودة الجوّ تزداد .. بلغت المطار مترنحا ..أخذت أبحث بلهفة بين الركاب وأخيرا استقرت عيناي عليها .. كنت ذاهلا تماما لم أقو على الإتيان بحركة ,,كنت أشعر أن لساني يتحرك كان يقول أشياء كثيرة ولكن بدون صوت تحرّك لساني بشدة حين أمسكها والدها وقادها مبتعدا إلى باب الخروج ولكن الصوت لم يخرج أبدا موجة برد شديدة اصطدمت بالنافذة مما جعلني أستيقظ من خيالاتي .. آه ولكن نظرة الوداع تلك ما زالت تؤرّقني ...