العوامل التي تفاقم أثر الزلازل من منطقة الى أخرى


الكاتب : محمد فندي

على ضوء الدروس المستفادة في أعقاب أي زلزال كبير، لوحظ تباين الشدة الزلزالية من مكان لآخر حتى في مساحات ضيقة وعلى نفس البعد المركزي والبؤري عن الزلزال. على سبيل المثال، في اعقاب أي زلزال تتأثر المنشآت المقامة على قمم التلال بشدة أكبر بكثير من المنشآت المقامة على السفوح وهذا ما يفسر دمار معظم القلاع التاريخية المقامة على قمم الجبال لأسباب دفاعية متأثرة بزلازل تاريخية حدثت وتسببت في دمارها.


تلعب خصائص الوسط السطحي الجيولوجي وخصائص المنشأ الهندسية ومسار الأمواج الزلزالية دورا أساسية في زيادة الشدة الزلزالية من عدمها. لوحظ أنه وبعد حدوث زلازل مدمرة في أماكن مختلفة من العالم أن درجة الدمار تختلف من مكان لآخر بما يوحي بأن أثر الزلزال التدميري يكون أشد منه في مناطق معينة بالمقارنة مع مناطق أخرى، وذلك على الرغم من تساوي البعد المركزي أو البؤري للزلزال عن هذه المناطق. هذه الظاهرة تحدث عادة على خلفية التباين في استجابة الطبقة السطحية والمنشآت المقامة عليها للأمواج الزلزالية المختلفة في مداها الترددي. في هاذا السياق تبين وجود علاقة مؤكدة بين بين الأثر التدميري للزلزال على المنشآت والخصائص الحركية للموقع المقام عليه المنشأ.
هناك عوامل عديدة تلعب دورا رئيسيا في زيادة الشدة الزلزالية في مناطق دون غيرها. طبوغرافيا الموقع وعلاقته بزاوية سقوط الأمواج الزلزالية، في العادة تكون زاوية سقوط الأمواج الزلزالية كبيرة على الحد الفاصل بين الطبقة السطحية المفككة على الرغم من كونها صخرية بسبب من تأثرها بالتقلبات المناخية والوسط الجيولوجي اسفلها الأقل عرضة للتقلبات المناخية، وبالتالي تسقط الأمواج الزلزالية بصورة مائلة بما يؤدي معها الى إنعكاس متكرر لهذه الأمواج داخل الطبقة السطحية الأمر اللذي يتسبب في تضخيم موجي زلزالي عالي على قمم الجبال أو التلال أو التراكيب الجيولوجية المحدبة. بينما على السفوح تقل زاوية سقوط الأمواج الزلزالية كثيرا بما يساهم في عدم حدوث الإنعكاس المتكرر للأمواج الزلزالية وبالتالي تشكل السفوح عوامل أكثر أمنا بشرط عدم وجود منزلقات أرضية أو صدوع فيها.


أهم الأمور التي نأمل بها لزيادة عامل الأمان طالما يستحيل علينا منع حدوث الزلازل، تكمن في سرعة خروج الأمواج الزلزالية من الوسط الجيولوجي الناقل لها تلافيا للتضخيم الموجي الزلزالي وبالتالي زيادة الشدة الزلزالية. هاذا الأمر يتطلب خرائط إرشادية زلزالية أكثر دقة تتضمن خصائص التربة الفيزيائية والهندسية في مواقع البناء. الشدة الزلزالية تتوقف على كثافة الوسط الجيولوجي ودرجة صلابتة وتجانس حبيباته وكذلك زاوية السقوط والإتجاه القادمة منه هذه الأمواج الزلزالية إضافة إلى أعماق الزلازل، إذ تبين أن عمق الزلزال له أثر كبير في زيادة أو قلة زاوية سقوط الأمواج الزلزالية على الحد الفاصل وبالتالي زيادة الشدة الزلزالية من عدمها.


المشاهدات العينية في أعقاب الزلازل الكبيرة أشارت أيضا على سبيل المثال إلى قلة تأثر المنشآت المقامة في منتصف الأحواض الرسوبية الرخوة والسميكة نسبيا بالمقارنة مع أطراف هذه الأحواض الرسوبية. مرد ذلك يعود إلى زيادة الفارق في المقاومة الزلزالية (impedance contrast) للطبقة السطحية مقارنة مع المقاومة الزلزالية للطبقة الصخرية الصلبة أسفلها في أطراف هذه الأحواض الروسبية وذلك مقارنة مع وسط هذه الأحواض حيث تكون القاعدة الصخرية الصلبة عميقة الأمر اللذي يؤدي إلى تشكل طبقة من الرسوبيات أكثر صلابة من الرواسب السطحية بسبب من ضغط الطبقات على بعضها لكن التباين في الكثافة وبالتالي المقاومة الزلزالية اقل في وسط الحوض الرسوبي مقارنة مع التباين في أطراف الحوض.


لوحظ أيضا أن العلاقة الهندسية بين منتصف قاع الحوض الرسوبي وعمق البؤرة الزلزالية هي علاقة طردية، فكلما قل عمق البؤرة الزلزالية قل التضخيم الموجي الزلزالي في منتصف الحوض، وذلك عائد إلى ارتفاع إمكانية انحراف الأمواج الزلزالية على الحد الفاصل بين الرسوبيات الرخوة والقاعدة الصخرية الصلبة وتشتتها بعيدا عن الحوض الرسوبي وبالتالي انعدام ظاهرة التضخيم الموجي الزلزالي أو الشدة الزلزالية في وسط الحوض.


بالنسبة للمنشآت، ما ينطبق على الوسط الجيولوجي الناقل ينطبق أيضا على المنشأت المقامة عليه. ما نسعى إليه يكمن أيضا في ضرورة سرعة خروج الأمواج الزلزالية من جسم المنشأ وهاذا يكون في تقليل قابلية تعرض المنشأ للمخاطر الزلزالية (Vulnerability). هاذا الأمر يتطلب التعاون والتنسيق بين المهندس المعماري والمدني. في هاذا السياق ينبغي على المهندس المعماري إختصار مراكز الثقل في جسم المنشأ إلى مركز ثقل واحد وذلك بجعل المنشأ متناظرا في مقاطعه الثلاثة إضافة إلى تقليل اتساع النوافذ وبروز البلاكين والحد من الأشكال الهندسية أمثال المنشآت U، L، H و T.


أما بالنسبة للمهندس المدني، يتلخص الأمر في جعل المنشأ أكثر صلابة ومرونة واحتساب الإستطالة جيدا في جسم المنشأ على درجات أقصى زلزال متوقع يتم معرفته بناء على السجلات التاريخية وذلك بهدف أن لا نصل إلى نقطة الكسر والتقليل إلى أدنى حد ممكن من الإضافات على المنشآت المقامة لأنها تشكل عامل خطر. أهم الأمور كذلك تكمن في تلافي تناغم تردد المنشأ السائد مع التردد السائد للقاعدة المقام عليها المنشأ وهاذا يتم بالتنسيق مع المهندس الجيوفيزيائي.


بناء على ما سبق، من الضروري تضافر جهود الجيوفيزياء التطبيقية وأشدد على الهندسة الجيوفيزيائية التطبيقية والهندسة المعمارية والهندسة المدنية وذلك لصلتهما المباشرة في موضوع تباين الشدة الزلزالية من مكان لآخر بهدف ايجاد الحلول للوقاية أو على الأقل التخفيف من أثر الزلازل على المنشآت. في هاذا السياق تكون مهمة المهندس الجيوفيزيائي التطبيقي تحت سطح الأرض بينما يكون دور المهندس المعماري والمهندس المدني فوق سطح الأرض.