الإستقلالُ صَنِيعةُ الأجْدادْ وفِي عُهدةِ الأحْفادْ

الكاتب : م. عادل مساعدة

نَعيشُ هَذه الأيامَ ذِكرى من أعزِّ ذِكرياتِنا ويوماً مِن أيّامِنا الخَالدة، الذكْرى الرابعةَ والسّبعين لإسْتقلالِ مَمْلكتِنا الحَبيبةِ، يومَ بُزوغِ حُريَتِنا، وَطرْدِ المُستعْمرِ الغَاشمِ من أرْضِنا، هَذا اليومُ صَنعَ لنا حياةً جديدةً سارَتْ بعدَه خُطانا بثباتٍ نَحو العُلا والرِفْعةِ والسُؤدَدْ، حَيثُ نستَحضرُ في هَذه الذِكرى العَطرةِ أفعَالَ وتَضحِياتِ الآباءِ والأجْدادِ يومَ تلاحَمتْ فيها عَزائمُ الشَعبِ الأبي المَشحونِ بالإيمانِ والوَطنيةِ الصادقة، مع إرادةِ القيادةِ الهَاشميةِ الشَريفةِ، فتَعاقدتْ الهِممُ وتعاهَدتْ النُفوسُ العَظيمةُ على ردِّ كَيْدِ المُستعمرِ إلى نَحْرِه ، وتَحريرِ البِلادِ وردِّ الإعتبارِ وتَضْميدِ جُروحِ الكَرَامةِ المَكلومةِ، حيثُ رُوحُ الإيمانِ الذي كانَ يَتوقدُ في صُدورِ الشُرفاءِ لِيَتفجرَ بَراكينَ غَضَبٍ في وُجُوهِ الظُلمِ والظَالِمين.


إنَّ ثَورَةَ الإسْتقلالِ والتَحرّرِ من بَراثنِ المُستَعمرِ البَغيضِ لَمْ تكنْ مَفروشةً بالوُرودِ بَلْ جَاءَت مُحصِلةً لكِفاحٍ طَويلٍ قادَه زَعيمُ الثورةِ العَربيةِ الكُبرى الشَّريفُ الحُسينُ بن علي طَيّبَ اللهُ ثَراه مع أبْناءِ الوَطنِ المُخلِصين لِيُتوَجُ الإستقلالُ العَظيمُ على يدِي شَهيدِ الأقصَى الشَريفِ المَلك المؤسّس عبدالله الأول وكفاحِة مع أولئكَ الرِجالِ الذين صَدقوا ماعَاهدوا اللهَ عليه، ليِتسلمَ الرّايةَ شِبلٌ من أشْبالِ بني هَاشم الأخَيار، نَشأ وتَربّى تَحتَ الإشْرافِ المُباشِرِ لجدِّه المَلك المُؤسس عبدُ اللهِ الأول بن الحسين وفي رِعايتِه، المَغفورُ له بإذنِ الله سيد الرجال حُسيننا العظيم لتَبدأ مَسيرةُ البناءِ ليَقودَ سَفينةَ الوَطنِ بكلِّ كفاءةٍ واقْتدارٍ في إقليمٍ مُضطَربٍ تتقاذفُه قوى الشرِّ العَاتية ليَرسو بالَوطنِ على شَاطئِ الأمَان.


في عَهدِ جلالة الملك الباني الحُسينِ وَفورَ تولّيه سُلطاتِه الدُستورِّية عَملَ على تثبيتِ أرْكانِ الدوّلةِ وركّزَ عَلى بِناءِ الإنسانِ الذي هو مِحورُ وأساسُ النَهضةِ الشاملةِ ليِقودَ بهم ومَعهم عَجلةَ التَطّورِ والبناءِ والتقدُم بهمّةٍ وعَزيمةٍ لا تَعرفُ الكَللَ، وحَرِصٍ على تَأمينِ حَياةٍ نَوعيةٍ لشَعْبِه العَظيم.


لقدْ أدْركَ الحُسين رحمه الله الذي ورِثَ الحِكمةَ عن أجْدادِه الغّرِ المَيامين، أنَّ إسْتقلالَ الوَطنِ وحِمايتِه يتطلبُ وجودَ جَيشٍ قَوي مُستقلَّ الإرادةِ بقيادةٍ وطنيةٍ مما جَعله يَتخذُ قَراراً تارِيخياً بِشجاعةٍ وإصْرارٍ بتَعريبِ قيادة الجَيشِ وتَطهيرِه من قيادتِه الأجنبيةِ وإسنادِ قيادتِه لأبنائِه المُخلِصين ليَكونَ دِرْعاً حَصيناً للوًطنِ والأمّةِ العَربيّة .
ومن إرثِه الحَضاري المُستَمد من نَهجِ جَدّه الأعْظم وفِكره المتَقد، آمنَ الحُسينُ أنَّ الإنسّانَ الذي يَتمتعُ بالحرّية يكونُ اكثرَ عَطاءً لوطنهِ، ومن هنا عَمِلَ على مأسَسةِ الدِيمقراطيةِ لتَصبحَ التَجربةُ الأردنيةُ مِثالاً يُحتذى في الإقليمِ ومَوضعَ تقديرٍ وإحترامٍ في كافةِ أنجاءِ العَالم.


لقدْ أولى الحُسينُ أهميةً كبيرةً للتعليمِ إيماناً منه بأنَّ التطورَ الشاملَ يحتاجُ إلى المؤهَلّين من أبناءِ الوَطنِ وأوعزَ إلى بناءِ الجَامعاتِ والمَعاهدِ على امْتدادِ الوَطنِ لتَمدَّ الوَطنَ بالكَوادرِ المؤهلّه لتُصبحَ هذه الُصُروحُ مَناراتِ علمٍ تَجاوزتْ سُمعتُها الإقليمَ الى العَالميةِ لتُساهمِ في بناءِ الوَطنِ وَتطويرِ كَثيرٍ من الدّولِ المُحيطةِ ولِتتَحولَ العقولُ إلى استثمارٍ واحتياطي مَضمونٍ يُسهمُ بشكلٍ كبيرٍ في اقتصَادِ الدوّلة.


في مَفهومِ الحُسين الملك الانسان، كانَ الإنسانُ أغلى مَا نَملك ومن هُنا كرَّسَ حَياتَه في بناءِ حَياةٍ نوعيةٍ لشعبِه وعَمل على إقامةِ بُنيةٍ اجتماعيةٍ وصِحيةٍ واقتصَاديةٍ تَمثلَتْ في مُؤسَساتِ الرِّعايةِ الإجتماعيةِ التي تُغطي الوَطنَ بأكمَله وإنشاءِ المَصانعِ من خِلال تَسخيرِ المَواردِ الطبيعيةِ وإنشاءِ المُدنِ الصّناعيةِ وبناءِ الصُروحِ الطبيةِ، وَسعى لتأمينِ حَياةٍ كَريمةٍ للجَميع ليَصبحَ الأردنُ نُموذجاً وقصّةِ نَجاحٍ تُحتَذى رَغمَ مَواردِه المَحدوده .


وكانت ارادة الله تعالى أن يرَحلَ بَطلُ الحَربِ والسِلمِ البّاني طَيبَ اللهُ ثَراه ، ليِتسلمَ الرّايةَ ويَقودُ القافلةَ سَليلُ الدّوحةِ الهاشِمةِ المَلك المعزِّز عبد الله الثاني حَفظه اللهُ ليُكملَ المَسيرةَ بكلّ اقتدارٍ بما يَحمُله من فِكرٍ سِياسي وعَسكري واقتصادي وما يَتمتعُ به من رُؤى مُنسجمةٍ مع ما يجولُ في خَواطرِ الأردنيين ويُحققُ مَصالحَهم.
وتَوالتْ الإنجازاتُ لتشملَ كَافةَ مَناحي الحَياة ولِيتمْ وَضْعُ مَعايير على رأسها الإنجازُ والإبداعُ ومِن هُنا ركّز جَلالتُه على صناعةِ المُستقبل من خِلالِ بناءِ جيلٍ واعٍ مدركٍ وأعْطى إهتمَاماً كَبيراً للشَبابِ بإعتبارِهم الثَروةُ الوَطنيةُ والإسْتثمارُ المَضمون من أجْلِ بناءِ وَطنٍ قَادرٍ على إستيعابِ المُتغيراتِ المُتسارعة ممّا جعلَ لتطويرِ التكنولوجيا الخَاص بالمَعلوماتِ والإتصالاتِ حَيزاً كَبيراً من تَفكيرِ جَلالتِه مع التَركيزِ عَلى إعادةِ صِياغةِ البَرامجِ الوَطنيةِ بحيثُ تواكبُ روحَ العَصر .


لقد عَملَ جَلالتُه على تَطويرِ الأردنِ في المَجالِ الزِراعي والصِناعي والسِياحي والتِجاري بالإضَافةِ الى التَوسعِ الكَبيرِ في مَجالِ التَعليمِ والرِعايةِ الصِحيّةِ حَيث تم انشاءُ عَددٍ كَبيرٍ من المُستشقياتِ والجَامعاتِ لتغَطي كلَّ أرْجاءِ الوَطنِ وتمَّ رَفدُها بالكَفاءاتِ البَشريةِ والأجْهزةِ والمُعداتِ الحَديثةِ لتَحتلَّ مَركزاَ مُتقدماَ على مُستوى المَنطقة.


كَما شَهدَ الاردنُ في عَهدِ النَهضةِ المَلكيةِ تَطوراً كَبيراً على المُستوى الإسْتراتيجي والأمنِ الوَطني من خِلال التَطويرِ النَوعي لمُنتسبي الجَيشِ العَربي والكَوادرِ الأمنيةِ وإضَافةِ مَفاهيم جديدةٍ إلى عَملِها من خِلالِ امْتزاجِها مَع المُجتمع المَدني والقيامِ بِدورِها الإنساني والمُجتمعي، ولا سيّما في الظُروفِ الإستثنائية التي يَتعَرضُ لها الوَطنُ لتكونَ مَصدرَ طُمأنينةٍ للجميع وتمَّ ترجمةُ هذا المَفهوم خلالَ الأزمةِ التي نَعيشُها الآن حيثُ كَان لها الدّورُ الكَبير في مُكافحةِ الوَباءِ جَنباً الى جنبٍ مع كافةِ الجهاتِ المعنية.


أمّا في مَجالِ العَلاقاتِ الدوليةِ، فلِجَلالتهِ دَورٌ بارزٌ واحْترامٌ كَبيرٌ في كَافةِ أنْحاءِ العَالمِ وقَد اعُتلى المَنابرَ الدّوليةِ فَارِساً صَلْباً مُدافعاً عن حقِّ الوَطنِ والأمةِ وقَضاياها بِكلِّ دُبلوماسيةٍ وحَزمٍ مُتسلّحاً بمَنْطِقه القَوي ومَعرفِته وسِعةِ إطلاعِه، لا يلتفتُ الى تَرْغيبِ او تَرْهيبٍ من ايّ جِهةٍ كانتْ وخَاصةً في مَا يَتعلقُ بالقَضيةِ الفلسطينيةِ والحُقوقِ المَشروعةِ لشَعبِها المُكافحِ التي كَانت على الدوّام تُمثلُ هَاجِساً قَوياً في نَفسِه وتَعيشُ في وجْدانِه وَضَميِره وفي كَثيرٍ من الأحْيانِ يكونُ هو الصَوتُ الوَحيدُ الذي يُخاطبُ العالمَ كلَّه بأحقيّةِ هذا الشعبِ في بِناءِ دَولتِه والعَيشِ على أرْضِه بِسلامٍ مَع تأكيدِه بأنَّ الوِصَايةَ الهَاشميةَ على المُقدّساتِ أمْرٌ مَحْسومٌ غيرُ قَابلٍ للنِقاش ولا يَقبلُ المُسَاومةَ.


إنَّ جَلالتَه حفظه الله يوصلُ الليُلَ بالنهارِ لا تَفترُ لَه عَزيمةٌ او تَلينً له قناةٌ من أجْلِ الحِفاظِ على اسْتقرارِ الوَطن وخدمةِ شَعبِه مُستمداً ذلكَ من إرثِه الهَاشمي الطَاهر، يبني للأجيالِ القادمةِ مستقبلَهم الذي يَعتبره امانةً ورثها عن الآباءِ والآجداد.


حَفظ اللهُ جَلالةَ الملكِ عبدَ اللهِ الثاني بن الحسين المفدى مُعززاً لنَهضةِ الأردنّ الحَديثِ وكلُّ عَامٍ والوَطنُ والقَائدُ والشّعبُ بألفِ خِير .