ماذا وراء الضغط الأمريكي على الأردن؟- تاج الدين عبد الحق

إذا ثبت أن التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات على الأردن، على خلفية المطالبة بتسليم المواطنة الأردنية من أصل فلسطيني أحلام التميمي، والمتهمة بتفجير في القدس العام 2001، تسبب بمصرع أمريكيين اثنين، إذا ثبت ذلك، سنكون أمام سابقة في العلاقات الأمريكية الأردنية، التي لم تشهد في أي مرحلة مثل تلك التهديدات، حتى أثناء التحضيرات الأمريكية لحرب الخليج الثانية العام 1990، ومن ثم أثناء الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003، حيث تبنَّى إزاءهما الأردن موقفًا مغايرًا لمواقف العديد من دول المنطقة، خاصة تلك الحليفة تقليديًا للولايات المتحدة.

ما يطلبة الأمريكان من الأردن هذه المرة، أكبر من طاقته، ومن الاستحالة تلبيته، حتى لو دفع ثمن ذلك المساعدات الاقتصادية والعسكرية السنوية التي يتلقاها من الولايات المتحدة مباشرة، أو من دول ترى في العلاقة بين واشنطن وعمَّان، عامل تشجيع لها لتقدم هي الأخرى مساعدات وهبات. نذكر هنا بالتحديد دول مثل اليابان، وكوريا الجنوبية، وبعض الدول الأوروبية التي تربط مساعداتها الدولية بمباركة أمريكية غير مباشرة.


أمريكا تطلب من الأردن طلبًا مفخخًا من الناحية السياسية، وأول عناصر التفخيخ أنه يطال مواطنة أردنية لا يجيز القانون الأردني –حاله حال قوانين الكثير من دول العالم – تسليمها لدولة أخرى، ناهيك عن أنه لا يوجد اتفاق بين واشنطن وعمَّان لتبادل تسليم المجرمين، حتى لو تم القبول بالتوصيف الأمريكي واعتبار أحلام التميمي مجرمة، أو تم القبول بولاية الولايات المتحدة على جرائم حدثت خارج التراب الأمريكي كحالة ”التميمي“ التي قامت بعملية تفجير في القدس وصدر بحقها حكم قضائي وتم ترحيلها إلى الأردن في صفقة لتبادل الأسرى مع إسرائيل.

والأمر الأخطر أن الطلب الأمريكي، فيه تهديد للوحدة الوطنية الأردنية، فتسليم ”التميمي“ قد يُستغل لتفجير خلافات داخلية في الأردن، تهدد روح المواطنة واستقرار البلد، وتعيد إثارة فتنة نائمة، لتفريق المكون الاجتماعي على أساس الأصول والمنابت، وهي الفتنة التي جهد الأردن كثيرًا لاجتثاثها، وقدم الكثير في سبيل تجاوزها .

والعقوبات الاقتصادية إذا أقدمت عليها الولايات المتحدة لن يكون وقعها سهلًا على بلد يعاني أصلًا من شح في الموارد ودين يثقل كاهله، وأزمات معيشية، وبطالة لا يجد قدرة على مواجهتها، ومعالجة آثارها.

وضغط من هذا النوع لا يعني أزمة اقتصادية مجردة بل أزمة سياسية أيضًا. فالأوضاع المعيشية الضاغطة في الأردن هي صاعقة تفجير لأزمات سياسية، واجتماعية مختلفة.

وأغلب الظن أن هذا هو ”مربط فرس“ الضغط الأمريكي المنتظر على الأردن، وذلك لإجباره على تسليم أحلام التميمي، وهو أمر لا يعدو أن يكون ذريعة لتحقيق مآرب أخرى. ولو كانت هذه الذريعة حقيقية لكانت واشنطن قد اعترضت من الأساس على اتفاقية تبادل الأسرى بين الأردن وإسرائيل والتي بموجبها تم تحرير الأسيرة الأردنية والأفراج عنها.

وكان يمكن أن يكون ذلك أسهل وأضمن، خاصة أن للولايات المتحدة دالة على تل أبيب تتيح لها الاعتراض على أي اتفاقات من شأنها المساس بأي مصالح أمريكية.

وإذا استبعدنا هذه الذريعة من الحساب، يبقى أمامنا الموقف الأردني من المشروع الأمريكي المعروف بـ“صفقة القرن“، والذي كان الأردن واضحًا وجادًا برفضه له، بل والتهديد بإجراءات لمواجهته.


فالولايات المتحدة تدرك أن الأردن له دور مركزي في أي تسوية سياسية تسعى إلى فرضها في المنطقة. فإلى جانب البعد التاريخي الخاص الذي ربط الأردن بالقضية الفلسطينة، والبعد الجغرافي الذي يربط الكيان الأردني بالأراضي الفلسطينة المحتلة، والبعد الديمغرافي المتمثل في استضافة الأردن لملايين النازحين واللاجئين الفلسطينيين، هناك واقع سياسي لايمكن تجاوزه وفرض تسوية سياسية عليه.

فأي تسوية تفرضها الولايات المتحدة على الأردن هي في الواقع أقرب لانتحار سياسي قد ينتهي بزعزعة الكيان الأردني من الأساس، لأن أي ضغط اقتصادي أو سياسي بهدف إجباره على قبول مشروع صفقة القرن، أو السكوت على خطط إسرائيل لضم غور الأردن والمستوطنات الإسرائيلية، والقبول في القدس عاصمة لإسرائيل سيلغي بالضرورة كل مقومات الدور الأردني في أي تسوية، فضلًا عن أنه سيُفرغ الولاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة من أي مضمون حقيقي.

الأردن اليوم في مواجهة ضغوط غير مسبوقة تهدد وجوده، وتعمل على تقزيم دوره المركزي في الإقليم. ومع أن المملكة الأردنية الهاشمية واجهت في الماضي العديد من التحديات الخطيرة، إلا أنها تواجه هذه المرة تحديًا من قِبل قوة عظمى كانت بنظر الكثيرين المظلة التي حمت الأردن، وحافظت على دوره، وأمَّنت له استقراره أمام مختلف التحديات التي واجهها أو تلك التي مرت بالإقليم.ش