عاجل

ارتفاع حالات التسمم الغذائي في عين الباشا

مهلا صديقي المثقف - محمود أبو علوش

يعيش العالم بأسره ظروفا استثنائية مؤلمة بكل تفاصيلها وحيثياتها، ومن رحم تلك الظروف والآلام يتمخض الإبداع الثقافي لتبدأ إرهاصات فجر الثقافة التي لا تنضب حتى في زمن الأوبئة والكوارث التي تعيشها الشعوب، فالحياة الثقافية تهب الروح الظمأى الباحثة عن الحياة رصيدا لتنتعش وتحيا من جديد، تشاهدها وهي تصارع من أجل البقاء في زمن الوباء، فتراها تكتسي أبهى الحلل، وتتزخرف بنقوش روحانية، يظنها المسافرون في عزلتهم سرابا، فيجدونها حقيقة وواقعا إبداعيا مترقرقا، وأحلاما غرست في حديقة غناء فآتت أكلها، وكان الحصاد طيبا حلوا، والمذاق عذبا نقيا صافيا، تلك هي الثقافة.


كورونا رغم قسوتها وضراوتها ومرارة علقمها، أبت إلا أن تترك بصمات ذهبية، ينقشها الفنانون والمثقفون لوحات فنية، وزخارف إبداعية، ولآلئ من الكنوز الأدبية، لتثبت للعالم بأن الإبداع الثقافي نهر معطاء لا ينضب أبدا.


الإبداع الثقافي كنز يتجلى في فنان يمتشق قيثارته السحرية، ليداعب بها نفسه في عزلته، ويبدع بها سحرا يسلبنا به عبر أثير الفضاء المترقرق كالشلال، وآخر يصدح بحنجرته الذهبية ليشنف بها آذان الحالمين بالحياة والأمل.

ربما تغيرت بوصلة الثقافة قليلا، فأصبح جلها يتكئ على الفكرة الافتراضية- عن بعد – ولكنها رغم ذلك تثبت وجودها، فأصلها ثابت وفرعها في السماء، تبحث عنها فتجدها كما عهدتها من قبل، تشفي غليل روحك الظامئة، وترتشف من بوحها أكسير الحياة، وفي كل بستان تجد زهورها بشتى أصنافها قد أينعت وحان قطافها.

وأنا وأنت يا صديقي، وغيرنا الكثير ممن رزحوا تحت نير الحجر المنزلي ووطأته الثقيلة الموجعة، كنا حين تشتاق نفوسنا للترفية والتسلية ودور السينما لنحضر مسرحية أو فيلما أو فعالية ثقافية، نجد الكثير من دور السينما والمسارح قد وفرت علينا كثيرا من العناء، وقدمت لنا ما نطلبه ونشتاق إليه شرابا سائغا للشاربين، فنشاهده عبر المنصات الرقمية مستمتعين على شاشات هواتفنا أو على التلفاز أو الحاسوب، ليخفف عنا عزلتنا.

أما المنصات الأدبية التفاعلية فحدث عنها ولا حرج، فها هي تعج بالفكر والثقافة والفقرات الشعرية، والندوات الأدبية، والمهرجانات النقدية، ولن يتوقف قطار الإبداع والابتكار في محطاتها المتجددة عبر الوسائط التكنولوجية التي أنشئت بعد إعلان الحجر الصحي في عالم الفضاء الرقمي الفسيح.

ومن ناحية أخرى فقد أبدعت الوسائط التكنولوجية الثقافية في إشباع رغبات أولئك السياح التواقين للتعرف على ثقافات الشعوب، فقد وجدوا ضالتهم في الزيارت الافتراضية للمتاحف العالمية على المواقع الالكترونية، وما أجملها من زيارة لا تكلفك إلا ضغطة من أناملك الرقيقة على الأزرار، لتسافر عبر الزمان والمكان إلى عالم من السحر والإبداع، وتشاهد ثقافات متنوعة وتاريخا عريقا لأمم وعصور مرت وأخرى معاصرة، فيصفو ما عكره الوباء في مزاجك وتنام قرير العين.

ويجب أن أذكرك عزيزي القارئ النهم بما أجدك في أمس الحاجة له الآن، إنه خير الجلساء في زمن الوباء، ذلك الكتاب الصديق الوفي، فعلى صعيد الكتّاب الأفذاذ وكتبهم الراقية، شاءت الأقدار أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه كتبهم في متناول أيدينا جميعا على كل المواقع، وأتيحت الكتب المجانية للجميع على الشبكة العنكبوتية، وأصبح الخيار بأيدينا لنصنع أنفسنا بالقراءة، ونقضي بين جنباتها وقت فراغنا الذي طال كثيرا، وقد قال الحكماء قل لي ما تقرأ، أقل لك من أنت
ومما يثلج صدور المثقفين ما أولته الكثير من الهيئات الحكومية والاجتماعية والمؤسسات والمعاهد لأصحاب المواهب الأدبية والفنية من اهتمام، حيث أطلقت العديد من المبادرات، وعقدت المئات من المسابقات الفنية عبر المنصات الافتراضية عن بعد، ولبى الآلاف من الشعراء والأدباء والكتاب نداء الثقافة والفنون، وشرعوا يبثون أحاسيسهم وأفكارهم ونتاجاتهم في قوالب شتى من الفن والأدب دون كلل أو ملل، فالعزلة وإن كانت عقبة كؤود فقد فجرت فيهم عالما من الإلهام والإبداع.
يا لها من معجزات تتحقق لكم أيها الأدباء في زمن الوباء، فاغتنموا الفرصة اليوم، وابدؤوا الآن خوض غمار هذه التجربة المثيرة، وأبشركم بأن جراحكم ستلتئم فلا تيأسوا أبدا في ظل هذا الشرخ المتصدع بمعول الوباء، بل انطلقوا واحتفلوا في عالم الفضاء الرقمي الفسيح، وسافروا عبر الوسائط التكنولوجية التي لا تحدها حدود، وتذكروا وأنتم في رحلتكم الرائعة بأن المبدعين أحياء لا يموتون.