عاصفة زلزالية في مدينة ميلة بالجزائر

الكاتب : محمد فندي

تشهد مدينة ميله ومحيطها في شمال شرق الجزائر الشقيق منذ حوالي الشهر تقريبا نشاطا زلزاليا ملحوظا اسفر يوم الجمعة الفائت الموافق 07/08/2020 الساعة 06:15 صباحا بالتوقيت العالمي عن زلزال بلغت قوته 4.9 حسب مقياس ريختر وذلك بناء على بيانات ونتائج تحليل عدة مصادر جزائرية، اوروبية وعربية. هاذا الزلزال تسبب في إنهيار عدد من المباني وأضرار جسيمة في عدد آخر من المنشآت إضافة إلى تشققات وتصدعات وإنزلاقات أرضية في مدينة ميلة دون أن يسفر عن ضحايا بحمد الله.
أعقب هاذا الزلزال هزات ارتدادية او ما نطلق عليها علميا توابع زلزالية (Aftershocks) كثيرة كانت قوتها خفيفة لكن محسوسة لدى المواطنين في ميلة كون مصادرها كما يبدوا أسفل المدينة. التقارير الواردة من المواطنين تتحدث عن ظهور أدخنة مع تلوث مياه الينابيع وأصوات مصاحبة او تلي هذه الهزات، كما تتحدث أيضا عن أن تربة مدينة ميلة أصبحت أكثرهشاشة وكذلك عن إرتفاع في درجة حرارة الينابيع والأرض قبل حدوث الزلزال مباشرة. هاذا الأمر جعل المواطنون في ميله يشعرون بحالة من الهلع والرعب جراء هذه الهزات المستمرة منذ شهر ويزيد وكذلك جراء فتاوى العديد من غير المختصين اللذين باتوا بين ليلة وضحاها خبراء في علم الزلازل. الغريب في الموضوع وهذه ليست مقالة سياسية أن أطراف صهيونية أو متعاونة مع الصهاينة غير مختصة دخلت على الخط من خلال وسائل التواصل الإجتماعي تفتي وتدعي المعرفة العلمية باسماء شخصيات غير عربية وغير اسلامية بعضها يجيد اللغة العربية تساهم في إثارة الرعب والهلع لدى المواطنين في الجزائرالشقيق في مسعى مدروس الهدف منه التطبيع الإجتماعي مع الصهاينة في فلسطين.
جيولوجيا، تمتاز مدينة ميلة بوجود العديد من الينابيع الحارة وبوقوع جزء من المدينة على حافة صدع أرضي تكتوني كما تشير الصور الفضائية وتربة بركانية فلاحية زراعية. كما يوجد شمال مدينة ميلة ببضعة كيلومترات قليلة سد مائي كبير نسبيا. علميا من المعروف أن الصفيحة الأفريقية تتحرك في الإتجاه الشمالي الشرقي مصطدمة بالصفيحة الاورواسيوية في شقها الأوروبي متسببة في زلازل باستمرار على طول جبهة عريضة تمتد من جزر الكناري وحتى قبرص في خط يوازي تقريبا شمال الصفيحة الأفريقية.
بناء على ما سبق وعلى ما ورد من تقارير تكون أسباب العواصف الزلزالية المستمرة منذ أكثر من شهر في مدينة ميله الجزائرية تعود في غياب رقابة زلزالية مباشرة لميلة ومحيطها إلى أحد الإحتمالات الثلاث التالية. في العادة تتسبب السدود في حوادث زلزالية ولكن بصورة مفاجئة وليس على شاكلة عواصف زلزالية كما يحدث الآن في ميلة. وجود كتلة مائية هائلة خلف جسم أي سد تتسبب في حوادث زلزالية في الغالب خفيفة، سيما وأن جسم أي سد مائي مصمم بالشكل اللذي يؤدي إلى نقل الضغط الكبير الناجم عن الكتلة المائية خلف جسم السد أفقيا إلى جوانب السد وعموديا إلى قاعدته بما يتسبب في حوادث زلزالية حول السد ومحيطه وذلك على سطوح الصدوع الأرضية الموجودة.
تكتونيا، قد يسبق أي زلزال تكتوني في مناطق تصادم الصفائح أو على طول وأسطح الصدوع الأرضية الكبيرة عواصف زلزالية أو زلازل خفيفة قبل حدوث الزلزال الرئيسي الكبير بفترة وجيزة. في عام 2004 حدثت عاصفة زلزالية من قرابة 24 زلزالا خفيفا غير محسوسة في مدينة العقبة الأردنية حيث كنا نتوقع حدوث زلزال كبير هناك لكن بعد عدة ساعات ضرب على مسافة 240 كيلومتر تقريبا شمالا في البحر الميت زلزال كان بقوة 4.9 شعر به المواطنون في الأردن وفلسطين المحتلة. ما حدث في العقبة يشير قطعا إلى هجرة هذه الضغوطات او الطاقة التكتونية إلى مناطق أخرى التي لا تفسير علمي رياضي او فيزيائي لها حتى الآن. ما يحدث في مدينة ميلة وبناء على هذه الظواهر التكتونية الملموسة لا يشير إلى تكتونية هاذا الحدث المستمر منذ ما يزيد على الشهر حتى مع حدوث تشققات وتصدعات في المدينة.
في عام 1980 حدث زلزال في منطقة كوباونيك (Kopaonik) كانت قوته 5.8 على مقياس ريختر جنوب صربيا حسب معطيات المساحة الجيولوجية الأمريكية. هاذا الزلزال سبقه وأعقبه زلازل ارجعت اسبابه آنذاك في محادثة مباشرة مع الدكتور المرحوم ميلوراد فوكاشينوفيتش (Milorad Vukasinovic) مدير عام مرصد الزلازل الصربي إلى تحرك للماغما الصهيرية الباطنية على أعماق قليلة أسفل المنطقة تراوحت بين 3 الى 6 كيلومترات الأمر اللذي جعل الإحساس بالزلازل الإرتدادية الخفيفة كبيرا على السطح كون عمق هذه الزلازل قليل.
في نهاية عام 1991 وبداية عام 1992 حدثت عاصفة زلزالية في منطقة العدين في اليمن استمرت عدة أشهر. تخلل هذه العاصفة الزلزالية هزة بقوة 4.4 حسب مقياس ريختر وبناء على النتائج التي أعطتها شبكة الرصد الزلزالي الفرنسية في جيبوتي، نجم عنه إنهيار منزل حجري بدائي التصميم ووفاة أفراد عائلة كانوا يعيشون في هاذا المنزل. منطقة العدين في اليمن تعج بالحمامات والينابيع الحارة وتربتها بركانية الأصل وعلى مسافة قريبة يوجد بركان الليسي الهادئ وليس الخامد. على ضوء دراستين جرى تنفيذهما آنذاك بشكل منفصل إحداهما لفريق أردني وأخرى لفريق ياباني توصلا إلى نفس النتائج بأن مسببات تلك العواصف الزلزالية بركانية. دراستنا استندت إلى مسارات وسرعات الأمواج الزلزالية وأعماق هذه التوابع الزلزالية. تبين لنا أن الأمواج الزلزالية تمر في حالة وهن عند مرورها في منطقة النشاط بحيث تقل سرعتها مقارنة بالمحيط. تراوحت أعماق هذه العواصف الزلزالية من 3 الى 8 كيلومترات. بناء على ذلك تيقن لنا بالقطع أن مسببات هذه العواصف الزلزالية في اليمن هي بركانية وهو نفس الأمر اللي توصل اليه الفريق الياباني لاحقا.
جميع التقارير العديدة الواردة من المواطنين في ميلة بالجزائر تشير إلى أن ظروف هاذا النشاط الحالي في ميلة هي نفس ما جرى في العدين باليمن منذ ثلاثة عقود تقريبا. منطقة ينابيع حارة، تربة بركانية، عواصف زلزالية مستمرة منذ أكثر من شهر، ارتفاع في درجة حرارة الينابيع الحارة، إحساس قوي بالزلازل الخفيفة بما يشير الى أن أعماقها قليلة بحيث يمكن القول بأن ميله هي مركز هاذا النشاط الزلزالي. علميا ما يحدث في ميلة حاليا من نشاط زلزالي خفيف لا نستطيع إعتباره مقدمة لزلزال كبير لا قدر الله أو ضغوطات باطنية ستهاجر إلى مكان آخر بعيد عن ميلة. بناء على ما سبق نرجح أن الإحتمال الثالث في أن يكون النشاط الزلزالي الحالي في ميلة مرده إلى حركة الماغما على أعماق قليلة هو الأقوى سيما وأن الموشرات السابقة الذكر تشير إلى ذلك. إحساس المواطنين في ميله بالزلازل هذه الخفيفة يعود لعاملين أولهما وقوع ميلة نفسها في مركز هاذا النشاط والثاني قلة عمق هذه الزلازل.
على الأخوة الجزائريون إحاطة وتغطية منطقة ميلة وضواحيها بشبكة من أجهزة الرصد الزلزالي المتنقلة ودراسة سرعات الأمواج الزلزالية وإسقاط أعماقها على نماذج أرضية ثلاثية الأبعاد مع خرائط كنتورية توضح مسارات الأمواج الزلزالية للتيقن من اسباب هاذا النشاط ما إذا كان نشاطا تكتونيا نشاطا تأثيريا ناجما عن بحيرة سد بني هارون أو نشاطا بركانيا أسفل ميلة. ختاما، أهيب في هذه المقالة بالعرب وأصدقاء الجزائر لتقديم العون العلمي للأشقاء الجزائريين والعون المادي للمتضررين من المواطنين الجزائريين.