عاجل

تسجيل أول وفاة كورونا في الأغوار الجنوبية

توفي وهو على رأس عمله

الكاتب : عنود العفيف

"جرحت قلوبنا " هكذا علقت والدة الطبيب الشاب عمران البشتاوي 35 عاماً والذي رحل مودعاً الحياة بعد عودته من مناوبته الأخيرة إثر توقف القلب المفاجئ ،على نعي إحدى زميلاته على مواقع التواصل الاجتماعي ، مؤلم جداً في الآونة الأخيرة تلقي أخبار نعي أطباء بعمر الشباب ، ، فارقوا الحياة وهم على رأس عملهم " وأنت يا أم عمران أوجعتي قلوبنا".


مسلسل وفيات الأطباء الشباب بجلطات قلبية وسكتات دماغية ما زال مستمراً، وفاة الطبيب الشاب نور الدين السراحنة عن عمر يناهز 39 إثر جلطة دماغية وهو على رأس عمله، في العاشر من تموز من عام 2019 كما تداولت المواقع الالكترونية الإخبارية خبر وفاة الطبيب محمد رمضان الذي تعرض لنوبه قلبية مفاجئة، وودعت المدينة الطبية مع بداية عام٢٠١٩ الطبيب زيد الكيلاني الذي توفي إثر نوبة قلبية وهو أيضا على رأس عمله ....... لو لاحظنا الرابط المشترك بين الوفيات بأنهم أطباء شباب بعمر الثلاثين ،وسبب الوفاة واحدة وهي " الجلطة أو النوبة القلبية ، والسكتة الدماغية".

رحلة شاقة يخوضها الأطباء منذ عُمر مبكر، تبدأ من لحظة السعي للحصول على مقعد دراسي في كلية الطب ، وتستمر لتستغرق سبعة سنين دراسية تتطلب بذل جهوداً مضاعفة من أجل التخرج، ولا تلبث أن تنتهي هذه الرحلة حتى تبدأ رحلة عملية جديدة تحمل معها تجارب قاسية ومريرة تقتحم حياة الطبيب الخاصة والاجتماعية وتلازمه طوال حياته.

ينظر المريض إلى الطبيب بأنه الانسان الخارق القادر ان يعمل لأيامٍ دون راحة أو نوم ، ولا يعلمون بأن الطبيب إنسان يعاني من إجهاد نفسي مصحوباً بالحزن نتيجة تشخيصه لإحدى المرضى الذي يعانون من مرض مزمن أو حالة ميؤوس منها، أو إجهاد جسدي نتيجة المناوبة التي قد تستغرق 48 ساعة دون راحة ، أو ضغوط عائلية نتيجة الانشغال عن الأهل والأبناء ، أو عاطفية تفرضها حتمية التواصل المباشر مع المرضى.

ويعد الإجهاد والتوترات النفسية من أسباب الجلطات والسكتات الدماغية، الدكتور عمران البشتاوي كتب قبل رحيله على صفحته الشخصية على الفيس بوك ملخصاً المشقة التي يعاني منها الأطباء قائلاً "أمس كان يوماً متعباً كغيره من يوميات أي طبيب مقيم وخاصة في قسم الطوارئ ، وفي ظل الظروف الاستثنائية، تحولت حياة أي طبيب إلى معركة يومية مابين الحياة والموت" .

رحل عمران ولكن إرحموا الأطباء الذين على قيد الحياة، ولتتكاتف الجهود المعنية للنظر بحالتهم ، وليتم العمل على إحداث تغييرات جذرية بمسألة الدوام والمناوبات الطويلة على أن يتم تقليصها بشكل تدريجي ومدروس ، والعمل على ابتكار أساليب جديدة توفر الراحة والاسترخاء أثناء فترة العمل ، فالدراسات تؤكد بأن الموظفين الذين يقومون بأعمال ومهام تتطلب جهداً كبيرة ولديهم سيطرة ثانوية معرضون للإصابة بالجلطة الدماغية مرتين أكثر من نظرائهم.

وهناك مسألة هامة يجب تسليط الضوء عليها، إن كانت من أسباب الجلطات الإجهاد والتوتر، فإن القلق والخوف أيضاً من أسبابها ،لذلك فإن هذه المهنة لا يستطيع عليها إنسان " فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها" ، وعليه يجب أن يعي الأهل منذ البداية أن حياة الطبيب لا تقتصر على اللقب والوضع الاجتماعي الذي يحظى به، وإنما هي معركة طويلة تحتاج إلى رغبة شخصية وعلم وفير وقوة داخلية ، فلا داعي لإجبار الأبناء الالتحاق بهذه المهنة الشاقة إن كانت لا تناسب قدراتهم وطموحاتهم ،وعلى الجامعات أن تعمل على قياس قدرات الطلبة قبل التحاقهم بتخصص الطب، ولا بد من عرض تجارب أطباء سابقين عليهم تساعدهم في تكوين فكرة مسبقة عن المهنة ومتاعبها .

اليوم وفي ظل الجائحة الهوجاء يعاني الأطباء الأمرين ، وجهودهم تتضاعف مع انتشار الوباء، وعلى المعنيين إيلاء مسألة الإجهاد الذي يعاني منه الأطباء أهمية خاصة ، وعلينا أن نتكاتف جميعاً للتقليل من عدد الإصابات ، والالتزام بإجراءات السلامة العامة ، ولنشعر بهم كما يشعرون بنا ، ولنقدر جهدهم وسهرهم وتعبهم هكذا نحمي أنفسنا ونحمي جنود الإنسانية.