ما هي سبل مكافحة الجرائم المروعة ..؟

مثّلت الجريمة البشعة التي ارتكبها أحد أرباب السوابق في محافظة الزرقاء القطرة التي أفاضت كأس الأردنيين، فعمَّ غضب عارم بين جميع فئات المجتمع، وبرز مطلب مشترك هو إنزال عقوبة الإعدام بالمجرمين، كونها الحل الأمثل و "الوحيد" لما اقترفت ايديهم القذرة من جريمة وحشية بحق المراهق البريء.

وبعيدًا عن الإنجرار وراء العواطف وضرورة تحكيم العقل والمنطق، فإن المهم هو النظر إلى الجريمة بإطارها العام وليس إلى جريمة بعينها، والأكثر أهمية السؤال : هل الإعدام هو الحل الوحيد أم أن هناك بدائل أخرى؟ .

قبل الإجابة عن السؤال بصيغة مباشرة، ينبغي معرفة أساس تطبيق عقوبة الإعدام من عدمه، فعند النظر إلى طرفي المؤيدين والمعارضين، سنجد مبررين أساسيين لكلٍ منهما؛ فالأول يستند إلى أحكام الشريعة الإسلامية التي قطعت بوجوب "القصاص" من المجرم، "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ"، أما الرأي الآخر فهو يتماشى مع إطار الدولة المدنية والتي تنظر لعقوبة الإعدام بأنها لا تتماشى مع متطلبات العصر والنظم الحديثة.


ولن نخوض في هذه الزاوية كثيراً، فهي في نهاية الأمر تبقى من اختصاص القضاء وفق قانون العقوبات، ونحن نثق بنزاهة القضاء الأردني، الذي سينصف المجني عليه، وإن لم يحدث ذلك نصبح أمام مطلب ملح بضرورة اجراء اصلاحات تشريعية على قانون العقوبات وفق الأطر الدستورية.


جريمة الزرقاء البشعة لم تكن الاولى التي وقعت في الاردن، ولن تكون الاخيرة، ولكن لماذا وقعت، وكيف نكافحها ؟، هنا ينبغي علينا استحداث برامج تركز على إعادة تهذيب طباع الأشخاص المتواجدين حاليًا في السجون أو مراكز الإصلاح، ويمكن الإشارة إلى برنامج "القراءة مقابل تخفيض مدة الحكم" والذي طبقته البرازيل وقد أثبتت نجاحها بأن قلت نسبة العائدين للسجن لمن انخرطوا في البرنامج بنسبة 40 في المئة، أما الحل الأكثر شمولًا فهو القضاء على مسببات الإنخراط في الجريمة والذي يشكل هيكله الأكبر "البطالة والفقر".


فلقد كشف تقرير الأمن العام لعام 2019 ارتفاع معدل الجريمة بأكثر من 7.5% عن عام 2018، في حين شكّل أصحاب الأعمال الحرة وغير الثابتة "عمّال المياومة" والعاطلون عن العمل أكثر من ارتكب الجرائم، وبالتالي فإن تحسين الأوضاع المعيشية هو الحل الأول والأكثر نجاعة الذي يجب أن تلجأ إليه الحكومة وتنصب عليه سياسية الدولة من أجل تقليل نسب العنف والجرائم، وذلك يتطلب وجود أرضية صلبة لتشريع القرارات ومراقبة تنفيذها.


لقد لمس جلالة الملك عبدالله الثاني جوهر القضية ووضع حجر أساس للتعامل مع المشكلات من خلال الورقة النقاشية السادسة، فأكد الملك على أن "الضامن للحقوق الفردية والعامة (..) والباني لمجتمع آمن وعادل، إنه سيادة القانون .."، مضيفًا : "إن مسؤولية تطبيق وإنفاذ سيادة القانون بمساواة وعدالة ونزاهة تقع على عاتق الدولة، ولكن في الوقت نفسه، يتحمل كل مواطن مسؤولية ممارسة وترسيخ سيادة القانون في حياته اليومية".


إن المشكلة الأكبر التي نواجهها هي رفض التسليم بالواقع المرير الذي نعيشه، فكلنا يرفض أن يسلّم بأن المشكلة أولًا تبدأ من الوازع النفسي، فإن الحاصل اليوم يقودنا لأكثر من قضية وأكثر من سؤال أبرزها : من الذي يغلب ثقافة العشيرة ويرسخ مفاهيم الثأر والقوة الهمجية برد "الصاع صاعين" ويرفض اللجوء إلى القانون، أليس نحن؟ ومن يعتد ويستقوي بقريبه ويحذر من المساس به ولو كان متهمًا بارتكاب مخالفة أو جرم، أليس نحن؟


إن على المجتمع أن يقف دقيقة صمت مع نفسه وينظر إلى مرآة الحياة التي يعيشها ويجب أن يعلم بأن ثقافة الغاب هي ما أوصلتنا إلى هنا، وإن اختيار الرجل المناسب ووضعه في المكان المناسب بعيدًا عن أسس الاختيار الجاهلية بالنظر إلى النسب والمال وصلة القرابة .. إلخ، هو ما سيحقق المراد بالوصول إلى مرحلة سيادة القانون وجعل الجميع تحت مظلته بما يضمن ضبط الشؤون الإدارية وبالتالي تقليل الجريمة وإنعاش الاقتصاد، وعند الخروج من الزجاجة التي فرضها علينا الواقع الاقتصادي يمكن الحديث عن تقليل نسب الجرائم المروعة للمجتمع .