انحدار منظومة القيّم وانعكاساتها على أمن المجتمع

الكاتب : د. خلـف الحمّـاد

إن منظومة القيّم التي تربت عليها الأجيال الأردنية المتعاقبة، واتخذتها شعاراً مجتمعياً عالي المستوى يكاد يتفرد بها عن مجتمعات كثيرة، كانت الحصن الحصين، والسياج الآمن للأمن المجتمعي، والمدرسة الأولى التي حافظت على علاقات ودية واحترام متبادل، وتعاون ومحبة بين تلك الأجيال على امتداد عقود طويلة من الزمن، حتى غدت سِمة يختص بها المجتمع الأردني عن باقي المجتمعات العربية والعالمية على حد سواء.

إلا أن هذه المنظومة بدأت _ للأسف الشديد _ تتراجع بشكل كبير ولافت للعيان في العقدين الأخيرين؛ إذ زادت نسبة الجريمة، بانحدار المنظومة المجتمعية التي بدأت تتآكل تِباعاً، فأصبحنا نشاهد ونسمع عن جرائم ترتكَب هي في واقع الأمر تشكل خنجراً مسموماً في خاصرة الوطن، بعد أن كنا نباهي الآخر بهذا التآلف الاجتماعي، وبهذه المودة الصالحة التي يتحلى بها مجتمعنا الأردني.

فقد كانت الأخلاق عنوان الشعب الأردني الطيب، كما كانت الأخلاق في حياة المسلمين سبباً رئيساً لعزتهم وقوتهم ومنعتهم وسعادتهم، فتقاسموا العيش بألوانه بينهم ... حياة يسودها الحب والتعاون والاحترام المتبادل، فأسسوا حضارة ابهرت العالم، ذلك أن أي حضارة لا تقوم إلا على دعامتين أساسيتين: أخلاقية سلوكية وعلمية، فالأخلاقية ينتج عنها الأمانة والإخلاص والإتقان والشعور بالمسؤولية، وتقديم النفع وحب الخير... والعلمية تنتج التطور والازدهار والرقي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فإذا ما ذهبت هاتان الدعامتان أو إحداهما انهارت الحضارات وتفككت المجتمعات وحلّ البلاء بأهلها. كما قال شاعر العربية أحمد شوقي:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وتتشكل منظومة القيم في مجتمعنا من "العادات والتقاليد والثقافة والدين والأخلاقيات"، وينتج عنها مجتمع قوى ومتماسك ومحافظ، وعلى مدار العقود الثلاثة الماضية للأسف اهتزت هذه المنظومة التي تعد إحدى ثوابت المجتمع ما أدى إلى فساد الأخلاق الذي يعدّ ظاهرة خطيرة جداً تلقي بظلالها على الأفراد والدولة والمجتمع، وهو أسوأ أشكال الفساد؛ لأنه قد يكون بإمكاننا إصلاح الفساد الإداري بإجراء بعض التعديلات في الأنظمة والقوانين ومساءلة عناصر الفساد وإبعادهم، ولكن ليس من السهل إصلاح فساد الأخلاق، رغم أنه الفساد الأخطر الذي من شأنه أن يهدم المجتمعات ويؤدي بها إلى الهلاك، وأوصل بعض الأفراد في المجتمع لعمل ما يحلو لهم دون مراعاة حقوق من حولهم، وفقدان الأمن المجتمعي.

ويعد الأمن من الحاجات الأساسية لأي مجتمع إنساني، ومؤشراً على الاستقرار والازدهار والتقدم في البلدان، ويعني ببساطة سلامة الأفراد والجماعات من الأخطار الخارجية المتمثلة في التهديدات العسكرية، والداخلية التي تصنعها الجماعات الخارجة عن القانون المنتشرة في بعض المدن بشكل لم يسبق له مثيل، حيث أن هذه الجماعات بدأت بسرقة السيارات وفرض الإتاوات والبلطجة والقتل والاختطاف والتخريب وصناعة المخدرات والجوكر المخيف وعمليات السطو على البنوك والمحلات التجارية...إلخ، ما يعد مؤشراً خطيراً لافتقاد الأمن المجتمعي. وقيل قديماً: من أمِن العقوبة أساء الأدب.

ومجتمعنا اليوم يعاني أزمة قيم وأخلاق، وأزمة تعليم وتوعية، كما يعاني الانفلات الأمني، وبالرجوع إلى جريمة الزرقاء في الشارع العام التي توحي بالتأكيد إلى أننا نعيش حالة تسيب، إذ إن التفسير الوحيد لقيام مجموعة من الشباب بعمل إجرامي أمام الملأ وتوثيقه بالفيديو، يدل على ان المنطقة تعيش حالة فوضى وتسيب، دون أن يخضع هؤلاء المجرمون لأي سلطة سواء أكانت مجتمعية، أم دينية، أم عائلية، أم قانونية، كما أنه مؤشر على غياب التربية وعدم الالتزام بالضوابط المجتمعية التي كانت راسخة في المجتمع الأردني قبل ثلاثة عقود من الآن.

كما أن جريمة الزرقاء بقدر ما هي صادمة ومروعة ومستفزة لمشاعر الأردنيين كافة، فإنها أعادت النقاش حول البنية الأخلاقية والتربوية داخل المجتمع الأردني، وبالتحديد لدى فئة الشباب والمراهقين، حيث طـرحت العديد من الأسئلة حول دلالات وأسباب الانفلات الأخلاقي والتربوي، وهل نحن بصدد انهيار منظومة الأخلاق والقيم لدى هذه الفئة؟ وعلى من تقع مسؤولية ذلك؟. وأعتقد أن المسؤولية تقع على عاتقنا جميعاً أسرة ومدارس وجامعات وحكومات ودور عبادة في المجتمع للمساهمة في تصويب الخلل ومعالجة الوضع.

فالتربية عملية مهمة تسهم فيها المؤسسات كافة، ونحن أمام ثلاثة اضلاع، اختيار ما يعرضه الإعلام، وإقامة العلاقات مع المدرسة بالزيارات الدورية، ومراقبة الصحبة ومع التوجيه الأسري وهو الضلع الأول لنتمكن من النجاح؛ فإذا اختل التوازن في أحد هذه الأضلاع ضاع وتهاوى النشء. كما لا ينبغي إغفال دور المسجد والإمام المربي والموجه الذي كان يسأل ويتفقد أحوال الشباب.

وفي ظل استمرار غياب سياسة حقيقية وفاعلة تعمل على انتشال الشباب الأردني من الهدر عموماً، فإننا أمام جيل من القنابل الموقوتة التي ستنفجر في وجه المجتمع، سواء عبر التطرف الديني أم عبر الانحراف الإجرامي، وهذا يدفعنا فوراً لمراجعة استراتيجياتنا التعليمية والتربوية والدينية والأمنية والإعلامية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها من أجل مواجهة ذلك وإصلاح ما يمكن إصلاحه قبل فوات الآوان.

آن الأوان لنحمي المجتمع ومنجزات الوطن، وتعديل القوانين وتغليظ العقوبات، لتكون رادعة لمثل هذه الفئات الخارجة على القانون، والقضاء على الواسطة في هكذا قضايا، والضرب بيد من حديد للمحافظة على الأرواح والممتلكات والأعراض؛ ليبقى الوطن واحة أمن واستقرار.

اللهم احفظ الأردن الحبيب وأهله الطيبين وقيادته الهاشمية من شر الفاسدين المفسدين ومن مكر الماكرين، ومن شر كل من أراد به شراً. يا عليم يا رحيم.