عاجل

الأردن استلم 8 ملايين جرعة لقاح كورونا

أزمة البحث العلمي في اليرموك أم أزمة الجامعة؟


الكاتب : أ.د. محمد تركي بني سلامة
 قدم عميد البحث العلمي والدراسات العليا في جامعة اليرموك استقالته قبل أيام قليلة، وسواء جاءت الاستقالة احتجاجا على أمر ما، أو اعترافا بالتقصير ونوعا من تحمل المسؤولية، فإن الحقيقة الثابتة التي لا مراء فيها تتمثل في أن هناك تراجعا ملحوظا في الاهتمام بالبحث العلمي في هذه الجامعة على وجه التحديد، وقد يكون هذا التراجع جزء من التراجع الكلي في الجامعة على كافه الصعد، لكننا سنتوقف في هذه المقالة (التي ستكون جزء من سلسلة قادمة بإذن الله) لنشير إلى مظاهر التراجع التي جعلت واقع البحث العلمي في جامعة اليرموك – على وجه التحديد- يبعث على الفزع، راجين من أهل المعرفة والخبرة أن يدلوا بدلوهم في هذا السياق، مادامت الغاية هي تصحيح الأخطاء لتعزيز المسيرة في الاتجاه الصحيح ، وندعو  رئاسة الجامعة للرد، إذا كان لديها حجه قوية وقادرة على الدفاع عن نفسها وتفنيد الحقائق التالية :
أولا:  إن أعظم المنجزات البشرية والاختراعات العلمية في القرن الحادي والعشرين هي نتائج البحث العلمي، وبناء عليه فإن الآثار الايجابية للبحث العلمي سواء على صعيد المجتمعات أو الجامعات ودور البحث العلمي في التنمية والتطوير والتحديث وإيجاد الحلول لكثير من المشاكل والتحديات لا يحتاج إلى كثير شرح أو تفسير، ولذلك أولت الدول المتقدمة والجامعات المرموقة البحث العلمي كل الدعم والرعاية والتحفيز.
 
ثانيا : على الرغم من أن جامعة اليرموك (التي أنشئت في عام 1976) هي الجامعة الثانية في الأردن من حيث القِدم، إلا أن نظام أو تعليمات تحفز الباحثين لم يخرج إلى النور إلا في عام 2016، عندما أقرت في عهد رئاسة الدكتور رفعت الفاعوري حزمه من التعليمات لدعم وتشجيع البحث العلمي في الجامعة، نذكر منها الحوافز الماديه للنشر في المجلات المصنفة عالميا، وجائزة الباحث المتميز، وجائزة أفضل أطروحة ماجستير وأفضل أطروحة دكتوراه في الكلية، الخ.
 ثالثا: تم لاحقا إجراء تعديلات على تعليمات هذه الجوائز بغيه تحسينها، إلا أنها لم تعالج بعض أوجه القصور فيها، مثل اعتماد الإنتاج العلمي المنشور من قبل عمادة البحث العلمي والدراسات العليا، وكذلك أوراق المؤتمرات التي تعقدها الجامعة وغيرها.
رابعا : في الفترة الأخيرة، تم تجميد جوائز البحث العلمي، فلم يتم اعتماد الأسس والتعليمات القديمة التي أقرت سابقا، ولم يتم إقرار تعليمات جديدة. وفي ضوء المواقف المضطربة إزاء البحث العلمي أود ان اسأل ماذا قدم الرئيس الجديد لجامعة اليرموك على صعيد البحث العلمي ؟ هذا التساؤل يضيع في لجة ضمور وتراجع الاهتمام بالبحث العلمي الذي لا يمكن ان يتقدم ويأتي أكله في بيئات جامعية يسودها عدم القدرة على اتخاذ القرار أو عدم الاستقرار في الأنظمة والتشريعات وغيرها من العوامل المعرقلة.
 
خامسا : لم يتوقف التراجع على تجميد الجوائز السابق ذكرها، وإنما امتد إلى أكثر من ذلك، فعلى سبيل المثال، لو قام باحثان (أحدهما من جامعة اليرموك والآخر من جامعة العلوم) بنشر بحث مشترك لهما في مجلة عالمية مرموقة، سنجد قيمة الحوافز المقدمة للباحث من جامعة اليرموك تتراوح بين 100 إلى 200 دينار، لكن تصل مكافأة الباحث المشارك من جامعة العلوم والتكنولوجيا إلى 2000 دينار، أي ما يعادل 10 أضعاف ما قد يحصل عليه الباحث من جامعة اليرموك وفي الجامعة الهاشمية يتقاضى الباحث على نفس البحث 1500 دينار بغض النظر عن رتبته العلمية  . وتشير الأرقام إلى أن هذا قد انعكس سلبا على عدد الابحاث المنشورة في قاعدة البيانات سكوبس، حيث بلغ عدد الابحاث المنشورة من جامعة اليرموك عام 2020 فقط 618 بحثا، أي بمعدل أقل من نصف بحث لعضو هيئة التدريس الواحد، بينما كان الرقم في العام ذاته في جامعة العلوم والتكنولوجيا هو 1433، علما أن عدد أعضاء هيئة التدريس في جامعة العلوم والتكنلوجيا أقل من العدد في جامعة اليرموك ،  وثمة ملاحظة اخيرة في هذا المجال  وهي ان كثير من اعضاء هيئة التدريس  ممن يصلون الى رتبة استاذ يتوقف النتاج العلمي لديهم  وخصوصا عندما تكون الحوافز غير مجزية  فتحرم الجامعة من خبراتهم ومعارفهم غيرها من ممارسات وسياسات ذات مردود سلبي على الباحثين والجامعة.
سادسا: أن لبّ القول هنا هو إن البحث العلمي في جامعة اليرموك لم ينل الرعاية والدعم اللازمين، بل أصابه التراجع والتقهقر إلى الوراء. الأمر الذي يدعونا إلى طرح جملة من التساؤلات، نذكر منها: ألم يَعِد القائمون على الجامعة استكشاف آفاق جديدة مواكبة للتطورات المتسارعة في مجال البحث العلمي وتطويعها لصالح الباحثين في هذا الصرح العلمي الكبير؟ ألم يكن وجودهم على رأس هرم الإدارة في الجامعة مبررا بقدرتهم على بذل جهد مميز لتهيئه المجال لمزيد من الإنتاج والإبداع ومراجعة التعليمات والسياسات المتبعة في الجامعة؟ ألم يعوّل عليهم أن يُلحقوا اليرموك في مجال البحث العلمي بالجامعة التي جاءوا منها؟ وعليه، أليس من حق الباحثين في جامعة اليرموك المطالبة بحقوق متوازية مع أقرانهم في الجامعات الرسمية الأخرى (خاصة تلك التي صدرت لهم رئيسها)؟ فهل كُتب على اليرموك أن تبقى تزحف وراء الركب فلا تلحق به، وهي الأكثر تأهيلا لتقوده لو أن من جلس على كرسيها كان فعلا صاحب الحق الشرعي في ذلك؟!
وختاما، وحتى يتم فصل عمادة البحث العلمي عن الدراسات العليا ويتم دعم البحث العلمي بمعالجة أوجه القصور التي تم ذكر جزء منها في هذه المقالة ازعم أن البحث العلمي في جامعة اليرموك في أزمة عميقة ومعقدة ولا يمكن ان يؤتي أكله ويزدهر ويتطور طالما أن القائمين عليه وعلى الجامعة لسان حالهم وجل سياستهم تنطلق من مبدأ سكن تسلم، وتسيير أعمال الجامعة على أساس يومي، وهذا ما سنتوقف عنده لاحقا ان شاء الله .