عاجل

الإدارة العامة الحديثة طموحات ونجاحات وتميز في نسيج واحد


الكاتب : تمارا حداد
يتميز عصرنا الراهن بالتغيرات المتسارعة في البيئة المحيطة للمنظمات والمؤسسات الحكومية والبلديات، والتحديات الجسيمة التي تلقي بظلالها على أداء المؤسسات وقدراتها على تقديم الخدمات للمواطنين وجهودها من أجل النمو والتطور والبقاء في بيئة متغيرة بشكل مستمر.
 
ولا شك أن الكثير من التجارب العربية والفلسطينية سعت نحو تطبيق الإدارة العامة الحديثة من أجل مواكبة عصر العولمة والتكنولوجيا، ومن أجل تطبيق الإدارة العامة الحديثة لا بد من توفر عناصر هامة لها مثل التغيير في آلية عمل الحكومة والتي تشتمل على إعادة الهيكلة الإدارية، والاستخدام الكفؤ للموارد وتحسين الجودة والمشاركة وتعزيز ميثاق المواطن.
 
في الوطن العربي سعت بعض الحكومات لعمل إصلاح إداري يُعرف "ببرنامج الخطوات" والذي يهدف إلى تقليل الحكم المركزي وإعطاء المزيد من الصلاحيات والمسؤوليات للعاملين في المستويات الإدارية الدنيا، والتركيز على الكفاءة والفاعلية، والتركيز على المخرجات، وتفويض الصلاحيات، والعنصر الهام هو ترشيق الحكومات وتقليص دور الدولة من خلال تخفيض الميزانية، وتخفيض عدد الأجهزة الإدارية وتخفيض القيود الحكومية على القطاعات الخاصة.
 
كما أن العولمة كان لها أثر مباشر في مواكبة المتطلبات الحديثة مثل استعمال أساليب إدارية حديثة لتواكب انتقال المجتمع من العصر الصناعي الى العصر المعلوماتي وما بعد المعلوماتية، هناك تجارب عربية طبقت الإدارة العامة الحديثة مثل دولة الإمارات كان لها تجربة من خلال تطبيق الإدارة العامة الحديثة وذلك من خلال الاهتمام بإدارة الموارد البشرية، والتركيز على جودة أداء العمل على كافة المستويات، والاهتمام بالهياكل الإدارية والتنظيمية وإعادة توزيع القوى العاملة على الأجهزة الحكومية، ووضع مشاريع التنمية الإدارية من خلال التركيز على التوافق بين التنظيم الحكومي العام وحجمه وبين متطلبات العمل من جهة أخرى، وتم اتباع التوجهات الحالية مثل الخصخصة والشفافية وتطبيق اجراءات الوظيفة الحكومية عن طريق الحاسب الآلي، وتطبيق مشروع إدارة الجودة الشاملة في القطاع الحكومي، ووضعت الامارات خطة لمشروع الحكومة الالكترونية وتم تنفيذها على أرض الواقع.
 
أما البحرين كان لها دور في تطبيق الإدارة العامة الحديثة من خلال وضع خطة شاملة لإدارة التميز والتحسين المستمر مثل دراسة الموظفين الفائضين والعمل على تنظيمهم بشكل لا يبقوا ضمن مضمار العبء الوظيفي من خلال تحديث مهام جديدة، وتم وضع نظام الجودة، وتفعيل برامج التدريب.
 
أما تونس كان لها باع في تطبيق الإدارة العامة الحديثة عبر تطبيق التفاعل بين الحكومة والمواطن من خلال مكاتب العلاقات مع المواطن، وتم التحول نحو الحكومة الالكترونية والعمل على تبسيط الاجراءات الادارية والعمل على اللامركزية واللامحورية، والعناية بالموظف من خلال العمل الجماعي، وتطبيق مبدأ المشاركة بين الرئيس والمرؤوس.
 
أما مصر كان لها باع في تطبيق الإدارة العامة الحديثة من خلال التركيز على مجال ترشيد حجم الجهاز الحكومي للدولة وتطوير سياسات شغل الوظائف العامة، وعملت مصر على استيعاب عمالة جديدة من خلال تشغيل الشباب وتم التركيز على رعاية المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة، وتم تحقيق أقصى درجات الشفافية والمساواة وتكافؤ الفرص، وتم محاصرة البيروقراطية والتعقيدات المكتبية، وتم الاستفادة من تكنولوجيا المعلومات في رفع المعاناة عن المواطنين، واختيار قيادات عليا كفؤة.
 
أما المغرب استطاع التخلص من الإدارة التقليدية واللجوء للإدارة الحديثة من خلال المساواة في ولوج الوظيفة العمومية، وتوحيد أنظمة الترقية وتنظيم إدارة الدولة والمؤسسات الإدارية، وإعادة تنظيم الإدارة اللامركزية، وتم مواصلة تحدث الاطار القانوني والمؤسساتي ودعم الاخلاقيات.
 
في فلسطين قد تكون الحالة مختلفة عن الدول العربية الأخرى نتيجة وجود الاحتلال الاسرائيلي ومحاولاته الحثيثة لإضعاف السلطة الفلسطينية سياسياً واقتصادياً وإدارياً، ولكن هناك محاولات بسيطة لتطبيق الإدارة العامة الحديثة من خلال التركيز على التحول نحو الحكومة الالكترونية، والتعاون مع القطاع الخاص والتركيز على الكوادر البشرية من خلال مركز التدريب في ديوان الموظفين وتدريب الموارد البشرية،  ولكن ما زالت تطبيق الادارة العامة الحديثة في فلسطين ليست بالمستوى المطلوب لتحقيق عمل مؤسساتي كفؤ وقادر على مواصلة التحديات بكافة اشكالها.
 
تعاني فلسطين من عدم قدرتها على التخلص من الشخصية المتأصلة في جذورها ضمن سياق عدم القدرة لأخذ النواحي المعاصرة لمواكبة التطورات، ما زالت تراوغ بين مفهومين التأصيل النظري والتطبيق العملي، حيث أن الثقافة الحالية لم تستطع العمل على توازن حقيقي بين التأصيل النظري والتطبيق العملي، من هنا فالادارة العامة الحديثة تعمل على التوازن بين التأصيل النظري والتطبيق العملي من خلال:
 
تأصيل منهج مؤسسي للإصلاح الإداري تأكيدا لأهمية تحديد مسؤولية الإشراف الكلي على التخطيط والتنفيذ والتقويم والمتابعة. 
تبني منهج فكري يقوم على الأصالة والمعاصرة واستلهام التراث الإداري رصداً وتحليلاً وتجديداً للتجارب الإدارية المتميزة.
الاستقرار السياسي مهم في جسر الهوة بين التأصيل النظري والتطبيق العملي.
تبني نماذج ادارية خارجة عن النموذج البيروقراطي.
تجسيد الإطار القانوني للادارة وتفعيل نظم الرقابة بكافة اشكالها.
التخفيف من الازدواجية في العمل المؤسساتي وللخروج من هذه الحالة الانفصامية بين الشكل الرسمي وواقع الأداء أو السلوك الفعلي لا يتأتى إلا بنظرة تشخيصية تحليلية تحدد العلل القائمة.
تنمية إستراتيجية تكون بمثابة الإطار الفكري والعملي الذي يمازج في تكامل عضوي بين مقومات الأصالة والمعاصرة بالقدر الذي يحقق التأمل في التراث لإحياء صور متجددة من المفاهيم والمؤسسات ذات الفعالية النابعة من مقوماتنا ومكوناتنا الحضارية بالدرجة ذاتها التي يؤمن فيها الانتقاء الذكي المتبصر من التجارب الإنسانية المعاصرة، إن هذه الاستراتيجية متى تحققت تحفزنا من جانب لاستلهام التراث، وتعصمنا من جانب آخر من هذا التأرجح المائل بين نظريات متعددة في الإدارة الحديثة.
 
توفير عناصر الشمولية والتكامل في الإصلاح الإداري، الإدارة في منظورها المتكامل عملية سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وفنية، فنتيجة لهذا التنوع في مقومات ومكونات العملية الإدارية، فإن الإصلاح الإداري في مفهومه وتوجهاته ينبغي لكي يكون فعالاً أن يحقق درجة من الشمولية والتكامل بين العناصر السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفنية كافة، وأن يكون له أثره الإيجابي في كل منها، فهو يستوجب السند والمشاركة الفعلية من القيادات والمؤسسات العامة في مختلف هذه العناصر التي تكون في جملتها البيئة الكلية.
 
تأصيل توجه إبداعي حيث إن الفكر الإداري بما يحفل من نظريات علمية يؤكد أن هذه النظريات قد كانت نتائج ابتكار وإبداع بعض الأفراد.
 
تأكيد النظرة المستقبلية وتأمين حالة فعالية دائمة للمؤسسات وما يتصل بها من نظم وأساليب، وتجاوز الانحسار الضيق في معالجة المشاكل الراهنة إلى أفق أرحب يعيننا على استكشاف المستقبل والإعداد للإيفاء بمستلزماته وفق ما هو مطروح من أهداف وطموحات وما هو متوقع من متغيرات.
 
الاهتمام بالعنصر البشري كعنصر اساسي في العمل التنموي والخدمي.
 
التوازن بين بين المكونات الفنية إن المكونات الفنية للإصلاح الإداري والمتمثلة في الهياكل التنظيمية والوظيفية والنظم القانونية والإدارية والأساليب والإجراءات والأدوات وما يتصل بها جميعاً من توفير للموارد والإمكانات تتواصل مع بعضها في حلقات تكمل بعضها بعضاً وتتأثر ببعضها طرداً وعكساً من هنا تنبع أهمية التوازن في تحقيق الأهمية والفعالية لكل منها علماً بأن المغالاة في أي منها يقود إلى انعكاسات سلبية في العناصر الأخرى بما يجهض كل التجربة.
تحقيق التمازج العضوي بين خطط الإصلاح الإداري والخطط الاقتصادية والاجتماعية.
 
خلاصة:
حتى تسعى الحكومات الى النجاح لا بد من الاحاطة والفهم الواعي لمفاهيم الادارة العامة الحديثة، بقيادة نابهة فعالة على مستوى المؤسسة، ضمن رؤية مستقبلية ورسالة استراتيجية واضحة تعبر عن غايات واهداف المؤسسة، ومن المهم فهم المناخ المحيط للمؤسسات ورصد المعلومات لمعرفة التداخلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى تعمل على ايجاد حلول تناسب البيئة الفلسطينية،  ومن المهم إعادة الهيكلة من الجذور حتى تنجح المؤسسات بمراجعة كافة الهياكل المالية والادارية، ومراعاة السوق  فهو الموجه للإدارة بشكل عام، وبناء نظام إدارة العلاقات مع المواطنين واعادة هندسة الموارد البشرية، وتصميم حزمة التقنيات، وتفعيل التحالفات وتوسيع شبكة العلاقات، ولا ننسى دور المعلوماتية وتفعيل التطوير المستمر للمؤسسات والمهمة في دعم الإدارة العامة الحديثة.