عاجل

ماذا اعرف .. وماذا افهم .. ولماذا ؟


الكاتب : د. عمر جعوان
حينما عقدت العزم على ان ابدأ مشروع الكتابة هذا غصت في بحر مترامي الاطراف والاعماق  بحثا عن عنوان مناسب له الى ان وجدت هذا العنوان .. ماذا اعرف .. والذي انار امامي طريق الوصول لهذا العنوان هو ما امارسه كثيرا هذه الايام من الحديث والتوجيه المتكرر لابنائي واحفادي عن مصطلح المعرفة ، وهنا تبدأ القصة ويبدأ الموضوع في الظهور على السطح بعد كل تلك الايام التي قضاها كبذرة في ارض الحياة ، نرويها دائما ولا ننتظر للنتاتج ولا نتوققع اية شجرة ستنبت من تلك البذرة الا متاخرين..
هناك العديد من المصطلحات التي تفرض نفسها على حواراتنا واحاديثنا الدائمة ، منها على سبيل المثال مصطلحات اطلعت او قرات او عرفت او فهمت ، وكلها تعكس حالات من الربط بين الواقع والدماغ فينا فنقتطع من مواضيعها ما نريد ونحتفظ به بداخل عقولنا  ونترك الباقي ولا نحتفظ به. 
واستعمل دائما قصة ظريفة عاشها العديد من ابنائنا طلبة في المدارس ، عندما تسأله ماذا فعلت اليوم في الامتحان ؟ يجيبك بشيء من الحزن " لم يكن الامتحان صعبا ولكني لم اجب على كل الاسئلة بشكل صحيح ، علما باني كنت اعرف كل الاجابات وكانت قد مرت علي ودرستها امس واكاد اتذكر شكل الصفحات التي كتبت فيها ، فما الذي حصل معي ؟ لا اعرف."
 وبالرغم من نوع وطريقة تعليقات الوالدين والمعارف على الموضوع كان يقال له انك لم تكن تدرس وان قضيت الوقت كله في اللعب والولدنة ولم تقضه مع الكتب ، الا ان الذي قاله الولد كان صحيحا تماما ، فقد تعرف على الموضوع معرفة كاملة واطلع على مكوناته اطلاعا لكنه لم يفهمه ، السبب هو انه ونحن معه في كثير من المواقف لا نمارس الفهم بقدر ما نمارس المعرفة ، فالمعرفة شيء والفهم شيء اخر، المعرفة هي قاعدة الفهم الذي هوتعبيرعن المعرفة.
فقد تقرأ كل الجريدة او قد تتطلع على كل المواضيع بالتلفزيون او على التلفون وما ان تتركه حتى تفقد كل ما اطلعت عليه ، فهذا يخضع لقانون الاطلاع ، وهو احد متطلبات المعرفة ، وان تجمع الاطلاع مع التركيز وتم تخزين الموضوع في الذاكرة فانه يخضع الى نظام المرفة ، وان استطعت ان تعبر عما عرفته وليس فقط اعدت ذكره تكون قد فهمته فتصبح فاهما واكثر من عارف لذلك الموضوع.
في احد ايام الجمعه ، وبعد ان اديت صلاة الجمعه وغادرت المسجد مع ابني سألته سؤالا حيره في البدايه، قلت له عن اي موضوع كانت خطبة الجمعة ، فاستغرب بل اجاب سؤالي بسؤال : قال هل تذكر اهم خبر سمعناه في الراديو ونحن ذاهبون للمسجد ؟ قلت له نعم ، اذكر ان الخبر كان عن هروب رئيس افغانستان ، فقال لي وهل كان هذا الخبر اهم من خطبة الجمعة لتذكره وتنسى الخطبة ؟ الا تذكر ان الخطبة كانت عن حال الناس في غياب المطر لهذه المدة الطويله ؟ فلماذا تذكرت ما قبل الخطبة من معلومة ونسيت الخطبة ؟
انا لم انسى الخبر الذي تحدث عن هروب الرئيس الافغاني بسبب ذكاء المذيع في الطريقة التي اوصل فيها الخبر الينا، تحدث عن تاريخ الصراع هناك ووضع مقدمات مقنعة  عما حدث عندهم فاوصلنا كمستمعين الى التوقع بما سيحدث ثم اذاع الخبر لينسجم مع ما مهد له في عقولنا ، تصرف ذلك المذيع بذكاء فافهمنا ماذا كانت الاوضاع هناك بعد ان اعلمنا بها حتى اننا توقعنا ماذا ستكون النتيجة وعندما اعلن الخبر علينا عزز مفهومنا الذي بناه في نفوسنا .
اما الامام فلم يمهد لاي موضوع قاله لا من الناحية العلمية ولا الدينية ، ولم يتعامل مع المامومين باي طريقة تضيف للمعارف الدينية لديهم ولا تعتمد عليها فلم يركزوا في الخطبة الا لموضوع واحد فهموه من الدين فعلا بسبب تعدد ذكره لهم ولانه يربط بين شرط صلاتهم الجمعة ووجودهم في المسجد حيث يقول الموضوع " اذا قلت لصاحبك والامام يخطب في يوم الجمعة انصت .. فقد لغوت ".
ولكي اقترب من هدفي في عالم المعرفه اود ان ابين مستخلصا وصلت اليه في دنيا العمل والاعمال ، بان اي شيء في الدنيا لا يمكن معرفته وبالتالي فهمه وربطه بما يتعلق به الامن خلال التعرف على جواب محدد للاسئلة الاربعة التالية التي تتعلق بالشيء نفسه ، هذه الاسئلة هي :
1. ماذا .. ما هو ذلك الشيء  قيد البحث ؟
2. لماذا .. لماذا يجب معرفته ؟ 
3. كيف .. كيف يتم التعرف عليه او حتى على اهميته ؟
4. متى .. يكون مهما ؟ 
تضمن الاجابة على هذه الاسئلة معرفة الموضوع معرفة كاملة وتمهد قطعا لفهمه ، وبالتالي التعبير عنه وتوضيح اية معلومة مرتبطة به عند اللزوم .  مثلا .. الماء في حياة الناس مهم جدا .. وتقول اية كريمة في القران الكريم " أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ " وكما هو واضح من الاية الكريمة ان الماء مكون اساسي للانسان وبالتالي فان له اهمية خاصة في حياته ، وانطلاقا من موضوع المعرفة الذي نتحدث عنه فاني اعتقد بان الاجابة على الاسئلة الاربعة المذكورة سابقا عن الماء ستجعل موضوع الماء مفهوم لنا وضرورتة مفهومة لنا ، وانطلاقا من هذه المعرفة ندرك اهمية الماء لنا ، بل ربما يأخذ بعضنا ذلك الى الدراسة المتعمقة في علو الكيمياء الحيوية للاجابة على الاسئلة الاربعة المعلقة بالماء . ولانني فهمت موضوع الماء اصبحت استخدمة بالطريقة التي تضمن لي حياة مستمرة حتى يوم اللقاء. 
عرفت في سنين التعلم والتعرف  في حياتي ما هو الماء ، مم يتكون واين يوجد ، وعرفت لماذا هو مهم لي في حياتي وانني لا استطيع الاستمرار في الحياة بدونه ، حيث يعتبر المكون الاساسي لخلايا جسمي ، وعرفت كيف يتم الحصول عليه بشكل نظيف وعلى درجة حرارة مقبولة ومن غير طعم ولا رائحة ، وعرفت ايضا ان العطش يعني نقص الماء في الجسم ولا بد من استكمال وجوده من خلال شرب الماء ، وهذا عرفني متى استكمل نسبته في جسمي دون استخدام موازين واجهزة قياس .
وبالتالي فلاني عرفت ما هو الماء ولماذا هو مهم في حياتي وحياة اي مخلوق حي غيري وكيف ياتيني وكيف استخدمه ومتى استخدمه فهمت ان ذلك الجزء من الاية الكريمة الذي يقول وجعلنا من الماء كل شيء حي لم يأت الا من الذي قال وجعلنا .... ، فزاد ذلك الفهم من قناعاتي وانتمائي للقول ولصاحبة ومقصده  واصبح من المستحيل والله اعلم ان انسى ذلك الجزء من الاية لانه تحول في عقلي من المعرفة الى الفهم .
وهذا ما يؤكد لي الحاجة للفهم من خلال المعرفة ، وان الفهم هو الذي يساعدنا على التعبير عن ما نعرف والله اعلم.