داخل اللون


الكاتب : خالد محمد النوباني

  صحا قبيل الظهيرة في ذلك اليوم و لا غرابة في ذلك فقد كان يوم عطلة  و ظن أنه لن يستطيع الذهاب في النزهة التي خطرت في باله الليلة الماضية و لكن بعد أن فتح النافذة و رأى بساط الربيع الأخضر يمتد عبر الأفق دب فيه اندفاع غير متوقع و قرر الذهاب فليس هناك شيء أفضل من ذلك يمكن عمله. حمل سترته الى غرفة الجلوس و ذهب ليستعد للرحلة. ثم عاد و ارتدى سترته و صعد الى الطريق. تحسس جيوبه فوجد جسما صلبا في احداها، عندما أخرجه وجد انه زجاجة عطر فارغة ذات رائحة جميلة، إستغرب وجودها معه فتخيل أن إحدى الفتيات أرادت أن تمازحه فوضعتها في جيبه، كانت فكرة سخيفة لكنها راقت له فأحب أن يصدقها. وقد لاحظ أن السترة ضيقة قليلا على غير المعتاد و لاحظ أخيرا أن القبعة مخفاة في ظهر السترة . لقد اكتشف أخيرا أن السترة ليست له فمع أنها تشبه تماما سترته إلا أنها ليست هي. لا بد أنها لأخيه و أنه أخذها بالخطأ عندما خرج لقد كانت بداية غير مشجعة لرحلة أراد منها أن تساعده في أن يخرج من مواقف مثل هذه.

استمر بالمشي ربع ساعة حتى وصل الى مفترق طرق الى اليمين تقع قرية اسمها "عالية" و الى اليسار طريق طويل ينزل الى واد عميق ثم يصعد جبلا ليغيب على قمته مارا بجانب مزرعة، كان موقع المزرعة في الماضي يسمى "المقورة" و ذلك بسبب شكلها الدائري تقريبا و هي مرتفع بجانب واد عميق يصعد بشكل حاد على شكل أنصاف دوائر حتى يصل القمة حيث توجد صخور كبيرة و تحتل معظم القمة صخرة كبيرة مسطحة واسعة. كان الناس في الماضي يقصدون هذا المكان ليتنزهوا فيه أما الآن فقد اشتراها أحد المستثمرين و بنى عليها مزرعة كبيرة و استصلح الأرض المقابلة لها في الوادي و زرع فيها بعض الأشجار.
ترك صاحبنا بلدته خلفه و ترك كل الطرق و توجه نحو الواد العميق. بينما كانت ترمقه عينا الرجل الجالس أمام بيته على مفترق الطرق، و وضع قدمه على بداية الطريق إذا أمكن تسمية الحجارة و الصخور و المنحدر الحاد الذي أمامه بهذا الاسم. استمر بالمسير بشكل جانبي على المنحدر لقد كان يتلذذ بذلك المسير و لم تتملكه الرغبة بالجري السريع متحديا ذلك الجبل كما كان يفعل و هو صغير فهذا الطريق يعرفه جيدا و قد ركضه مرارا لذلك هو يتلذذ بالسير لأنه ليس بحاجة أن يثبت بأنه يستطيع أن يركض عليه.
وصل الى نهاية المنحدر و أصبح في قعر الوادي، استمر بالمشي على العشب الأخضر بين الأعشاب و النباتات البرية، و بعد أن اجتاز مجموعة من الأشجار لمح بين الأعشاب سحلية صغيرة تسمى "سمامية"، عندما رآها تملكته الرغبة بأن يمسكها فأخذ يسير خلفها و هي تهرب بسرعة، أحس بأنه لن يستطيع لحاقها و لكن رغبته لم تتوقف و استمر بمتابعتها حتى توقفت السحلية فجأة فقد جاءت قدمه فوقها، أخذ يتأملها و لمسها بعصاة و لكنه لم يجد فيها أي شيء مثير فتركها، لكن بعد أن انطلقت رجعت اليه الرغبة في إمساكها و من أول خطوة جاءت قدمه على ذيلها فتوقفت برهة قطعت خلالها ذيلها و هربت. عندما رأى ما فعلته السحلية خطر في باله أن العقاد الأديب الكبير كان يقرأ في كتب الحشرات و يقول أن هذه المخلوقات هي مسودات الحياة و أنه حتى نفهم تصرفات الإنسان يمكن أن نعود ألى المخلوقات البدائية و نرى تصرفاتها. عندما خطرت فكرة العقاد في باله تساءل: كيف يقطع الإنسان ذيله ليتخلص من الخطر؟ كان الجواب واضحا في المثل القائل: "إذا جاءك الطوفان ضع ولدك تحت قدميك" إذا فالعقاد كان على حق فمسودة الخلق و هي السحلية تخلصت بجزء من جسدها لكي تنجو برأسها أما الإنسان فيمكن أن يتخلص من أقرب الناس إليه لكي ينجو و ربما أكثر من ذلك. ترك تلك الأفكار مع الذيل الذي يتلوى وحيدا و يتقافز بشكل غريب احتجاجا على السحلية التي تخلت عنه.
استمر بالسير في واد صغير في اسفل الواد الكبير و عند أحد المنعطفات قابله قطيع من الأغنام يقوده راع أسمر ذو ملامح جامدة. على المنعطف التالي قابله تحد جديد أو هكذا فكر. ففي قعر الوادي الصغير كانت هناك صخرة مسطحة مائلة قليلا يمكن القفز عليها. لقد كان مندفعا للقفز و في اللحظة الحاسمة جمد في مكانه و تأمل الصخرة الصغيرة فربما تزل قدمه عندما يلامسها و للحظة أحس أن تلك الصخرة هزمته و رغم ذلك لم يعترف بالهزيمة نزل الى تلك الصخرة و تفحصها فوجد أنها خشنة و لا يمكن أن تزل قدمه عنها ثم صعد الى حافة الوادي الصغير و وثب الى الصخرة و منها الى الحافة الأخرى للوادي ثم عاد وثبا الى الصخرة و صعد الى مكانه الأول و كرر ذلك. لقد كان يحس بنشوة الإنتصار، لقد تغلب على خوفه و ترك الصخرة المهزومة وراءه، و استمر بالمسير. كان دائما يختار الأماكن الصعبة ليمر منها متحديا إياها، و أخيرا وصل الى غايته كانت عين ماء اسمها "عين ناطفة" لم تكن عينا بالمعنى الدقيق بل مغارة صغيرة في جبل، ينزل من سقفها نقاط ماء ملأت أرضيتها و إليها يأتي الناس متنزهين و الرعاة شاربين جلس صاحبنا قليلا بجانب العين، ثم نزل تحتها و هناك في الجزء الأسفل من الجبل كانت مغارة صغيرة و أراد أن يتحداها، نظر في المغارة، كانت مظلمة و لم يظهر أن لها نهاية تقدم خطوات و أنزل رأسه و نظر فرأى في آخرها نورا و خضرة كانت مفاجأة له فالجهة التي ينظر إليها كانت داخل الجبل، تغلب على تردده و زحف حتى وصل الضوء و الخضرة لقد كانت النهاية على باب العين.
انتهت الرحلة و قفل راجعا و لم يكد يمشي بضع خطوات حتى وجد سلحفاة، أدخلت رأسها داخل صدفتها عندما أحست به لم تثر اهتمامه و لكنه توقف فجأة و أخذ يراقبها، أخذت السلحفاة تخرج رأسها قليلا قليلا، و تتلمس يمنة و يسرة كانت تحرك قدميها أولا ثم تخرج رأسها و بعينيها السوداوين تتلصص على المكان، كان جلدها مجعدا ذا لون بني فاتح قليلا و عندما تريد أن تمشي تخرج قدميها و ترفع صدفتها عن الأرض و تتحرك. لقد تملكته رغبة في أن يمسك رأسها. إن إمساكه يشكل تحديا لأن السلحفاة شديدة الحذر و تخفيه عندما تحس بأدنى خطر. أمسك بعصى صغيرة و ابتعد عنها و انتظرها حتى تخرج رأسها و عندما أخرجته اقترب بالعصى فأدخلت رأسها و اكتشف بعد عدة محاولات أنه يجب أن يكون قريبا دائما حتى يمسكه. فبقي قريبا و رغم قربه أخرجت رأسها بالطريقة المتلصصة إياها فضغط بالعصى عليه ثم أفلت منه و فكر أنه لو أن معه الأداة المناسبة لاستطاع إمساكه كما يريد و كان متأكدا أنه فهم حذر السلحفاة و كان ذلك أفضل شيء في ذلك اليوم.
في طريق العودة رأى مسودة أخرى من مسودات الخلق. كانت حشرة صغيرة تقف على ساق شجرة مقطوعة و قد أخذت تلك الحشرة لون الجذع بشكل كامل بحيث أخفت نفسها داخل اللون كان شكلها غريبا، رأس كروي و على رأسها شعيرات تشبه الأسد، و تساءل في نفسه: كيف يخفي الإنسان نفسه داخل اللون؟.