هل تعلم؟


الكاتب : د. عمر جعوان

 هل تعلم ان صيغة الامر لا تعني بالضرورة ان عليك الالتزام بها كما هي ؟ فهذه ميزة من المزايا اللغوية غير المتحدث بها بين الناس مع انها عديدة الاستعمال يوميا بينهم وكثير منها مبين في القران الكريم .

فاذا اخذنا مثلا الاية الكريمة التي تتحدث عن الاجراء الذي يجب اتخاذه بعد انقضاء صلاة الجمعة في القران الكريم والتي تقول .. فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .. واضح ان فعل الامر فيها هو كلمة انتشروا، فماذا عساه يعني؟

في حوار شهدته مرة قد سمعت احدهم يقول.. وان انا ذهبت للنوم بعد ان انقضت صلاة الجمعة  وقد صليتها فهل ساعاقب على ذلك الفعل ؟ لكن الجواب جاء من احد المتحاورين .. اذهب ونام كما تشاء فانت حر ولن يصيبك باذن الله مكروه او عقاب . وعرفت لاحقا ان الجواب قد جاء من احد اساتذة اللغة العربية وهو من كان يدير الحوار. 
 
وشرح الاستاذ يومها الموضوع على الشكل التالي ، قال : انتشروا فعل امر والمفهوم العام عن صيغة الامر انها تفيد وجوب فعل المأمور كقوله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين ، الا ان صيغة الامر تتسع لاكثر من ذلك ، اذ يخرج عن معنى الوجوب ويفيد معنى آخر، ويكون ذلك عادة بوجود قرينة تدل على أن المراد من الامر غير الوجوب.
 
وعند تتبع كلام العرب نجد أن صيغة الأمر تاتي على عدة وجوه ، وقد اكد القرآن الكريم هذه الوجوه ، بل لان القران الكريم هو اصل الصرف والنحو فقد اكد اوجه فعل الامر في مواضع كثيرة  كالتالي: 
 
الوجه الاول هو وجه الإباحة ، ، فقد جاء في القران الكريم هذا الوجه في اكثر من ايه ، خذ مثلا الاية الكريمة التي تقول وإذا حللتم فاصطادوا أي إذا فرغتم من إحرامكم في الحج فقد أبحنا لكم ما كان محرماً عليكم في حال الإحرام من الصيد ، فصيغة الامر هنا تعني الاباحة ولا تعني الوجوب ، تماما مثلما جاء في الاية الكريمة التي قالت فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ، ذلك لان الانتشار الذي كان قائما قبل المناداة للصلاه اوقف لاداء فرض الصلاة ثم عاد بعدها للاباحة .
 
ويأتي الوجه الثاني لفعل الامر بمعنى التهديد والمثال القرآني الأبرز على هذا الأسلوب قوله تعالى:  فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفرفالأمر هنا ليس على سبيل الوجوب بل على سبيل التهديد ؛ فالله سبحانه وتعالى لا يأمر عباده بالكفر. وخذ مثلا مقولات متعددة من نفس النوع كان يقول الوالد لولده: أمضِ وقتك في اللعب واللهو! فسوف ترى النتيجة في الامتحانات . 
 
واما الوجه الثالث فيجده المتابع في صيغ الامر التي يقصد بها التسوية بين متناقضين كان يقول الوالد لابنه ادرس مع  احمد او مع حسن ، لكن تذكر من منهم اشطر وبالتالي اكثر قدرة على ايصالك لفهم الموضوع ، وعندما قال له ادرس  بدى للوهلة الاولى انه امره بالدراسة  ، ولكن الامر ليس كذلك.
 
ومن الآيات القرآنية الواردة على هذا المعنى قوله تعالى استغفر لهم أو لا تستغفر لهم في سورة التوبه ، او كقوله تعالى في سورة الملك وأسروا قولكم أو اجهروا به ، فصيغة الأمر في هذه الآيات واردة على سبيل التسوية بين الفعلين المأمور بهما ، على معنى أن المأمور له أن يفعل هذا الفعل أو ذاك ، 
 
وجاء الامر رابعا  معنى الدعاء ، وذلك إذا اُستعملت في طلب الفعل على سبيل التضرع ، واقرب مثل لذلك ادعية الناس اليومية كالتي يقولون فيها رب اغفر لي ولوالدي او قوله سبحانه رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصير. 
 
ولعل كل صيغ الأمر الواردة على معنى التضرع إلى الله لقضاء حاجة، تدخل تحت هذا المعنى لصيغة الأمر.
 
ومن معاني  فعل الامر الواضحة ياتي معنى التعجيز، والمراد من هذا المعنى أن صيغة الأمر لا يؤتى تاتي بها أحياناً على سبيل الحقيقة ، وإنما على سبيل المجاز، والمثال القرآني الأبرز على هذا المعنى قوله تعالى فأتوا بسورة من مثله ، فالفعل فأتوا صيغتة الأمر ومعناه التعجيز. 
 
هذه وربما غيرها في القران الكريم وفي استعمالات الناس اليومية تبين أن صيغ الأمر لا تأتِ دوماً على معنى الوجوب، بل ينبغي التأمل في السياق الواردة فيه ليتبين أي معنى يراد منها، كما أن عدم الوجوب قد لا يستفاد من السياق نفسه، وإنما من أدلة خارجية تصرف الوجوب إلى الإباحة أو معنى آخر غير الوجوب.