الأكاديميا والمسؤولية الاجتماعية 3 – 3

mainThumb

06-09-2008 12:00 AM

إن الوظيفة الأكثر صعوبة بالنسبة للأستاذ الجامعي هي أن يكون ناشط Activist في المجتمع، وفي هذا الصدد يقول الفيلسوف الفرنسي الشهير جون بول سارتر أن مسؤولية المثقف في الفعل السياسي اليومي والتزامه السياسي أسمى من الأدب والمعرفة والإبداع.

الفعل السياسي اليومي هو الجمع بين الفكر والعمل أو النظرية والممارسة ذلك أن الممارسة العملية والتجربة اليومية الحية هي المقياس الحقيقي لصحة النظرية.

وعندما يمارس أستاذ الجامعة وظيفته كناشط في المجتمع فإن عليه أن يحدد موقفه بوضوح: فإما أن يختار أن يكون مع الحفاظ على الوضع القائم وتبريره والدفاع عنه والوقوف في وجه محاولات التغيير أو أن يرفض الأمر الواقع وبالتالي يكون من أنصار ودعاة الإصلاح والتغيير نحو الأفضل يمتلك الإرادة والوعي والاستعداد للتضحية من أجل التغيير وخلق واقع جديد.

وعلى أستاذ الجامعة عند ممارسة دوره كناشط أن يختار جمهوره بدقة وعناية، فهو بحاجة لجمهور من المهتمين بالشأن العام، جمهور يتلهف لمعرفة الحقيقة وكشف الأكاذيب فيتفاعل مع الناشط فيتحدث معه ولا يتحدث إليه To speak with not to، وعلى الناشط أن يبذل الجهد اللازم لتهيئة الجمهور لقبول آرائه وأفكاره وعليه أن يتجاوز سخف الرأي القائل أن الجمهور لا يمكن أن يقبل الأفكار الجادة والعميقة. إن الناشط المخلص لمبادئه ومثله هو الذي تكو أبحاثه أو كتاباته words وأفعاله ونشاطاته actions متطابقة هو الإنسان المنتمي الذي يصنع الأحداث ويمسك بدقة التاريخ فكلماته تحرك العالم من حوله وأفكاره تولد فعل ورد فعل ونشاطاته وأفعاله مبعث أنصار وأتباع ومريدين وشهداء. والناشط الملتزم لا يحبط إذا لم يحقق النتائج المرجوة ذلك أن عليه القيام بدوره ومواصلة رسالته والإيمان بأن القوى والعقبات التي تعترض طريقه هي زائلة في نهاية المطاف لأنها قوى وهمية وحججها غير منطقية، ولا عذر للأستاذ الجامعي الناشط في خدمة المجتمع والدفاع عن همومه وقضاياه في سلوكه طريق آخر لأنه إن فعل فإنما يخون رسالته ويحتقر ذاته ويخيب آمال المجتمع فيه.

إن الجمع بين التدريس والبحث العلمي والالتزام السياسي ليس بالأمر المستحيل، إن استخدام المنهج العلمي في حل المشاكل الواقعية وخلق ظروف أكثر ملائمة لدفع المجتمع للتقدم إلى الأمام هي أسمى غايات البحث العلمي وهذا لا يتحقق دون إقامة علاقة وطيدة بين الباحث والمجتمع، ولما كان التنظيم قوة فإن أفضل المجالات التي يمكن للناشط أن يمارس دوره من خلالها هي الحركات الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسها الأحزاب السياسية.

ولا شك أن مسؤولية ودور الناشط في المجتمع الحر أو الديمقراطي تفوق مسؤولية غيره في المجتمع الاستبدادي حيث يدفع الناشط ثمن آرائه أو صدقه أو أمانته العلمية. فالحرية هي المناخ الأمثل للإبداع والابتكار وتفجير الطاقات المكبوتة سواء لدى الباحث أو الناشط أو المجتمع.

وفي الختام يمكن القول أن المبادرة إلى وضع أسس جديدة للبحث العلمي وللعلاقة بين الجامعة والمجتمع في العالم العربي هي خطوة صحيحة في الاتجاه الصحيح ذلك أن الاستمرار في تقديم الدراسات والأبحاث الكمية بمعزل عن المجتمع ودون تقديم أي منفعة له لا تنسجم مع دور وواجب ومسؤولية أستاذ الجامعة تجاه المجتمع.

إن استمرار نكوص وانعزال أستاذ الجامعة عن المجتمع المحلي وإنتاج أبحاث علمية لغايات وظيفية لا يختلف عن الإغراء المادي والثراء والشهرة التي يحققها البعض بطرق رخيصة تنم عن احتقار للذات وخواء فكري وتخاذل وخداع للذات وللآخر.

إن مثل هذه المواقف يمكن أن نجدها في عالم السينما والمسرح والتلفزيون وليس في عالم الثقافة والفكر والسياسة. إن أخذ هذه الأفكار على مجمل الجد يقتضي الالتفات والتأمل إلى هذه المبادرة واستلهام ما جاء فيها لوضع أسس ومبادئ جديدة لتقييم واقع البحث العلمي ودور ومسؤولية أساتذة الجامعات تجاه المجتمع المحلي.

فمصلحة الجميع أستاذ الجامعة والمجتمع والدولة تقتضي إزالة الحواجز بينهم في المقام الأول وأن تكون العلاقة بين العلم والمجتمع لمصلحة المجتمع دائماً.

جامعة اليرموك / قسم العلوم السياسية



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد