جوّا يا إستعمار

mainThumb

24-11-2007 12:00 AM

في أواسط السبعينات أخرجت السينمائيّة اللبنانيّة هيني سرور فيلماً عن «ثورة ظفار» في سلطنة عُمان، أسمته «برّا يا استعمار». يومها كانت كلمة «الاستعمار» مرذولة وكلمة «الاستقلال» أقرب الى القداسة الممهورة، طبعاً، بـ «دماء الشهداء» ممن جُعلوا مليوناً شهيراً في الجزائر.

لكن كثيرين من اللبنانيّين لو أتيح لهم اليوم أن يصنعوا فيلماً سينمائيّاً لجعلوا عنوانه «جوّا يا استعمار». يكفي القول إن عيد الاستقلال تزامن مع انفجار أزمة وجوديّة تضع استمرار البلد نفسه على المحكّ. وهذا بعد عام واحد على عيد استقلال سابق شهد اغتيال أحد نوّاب البرلمان اللبنانيّ بيار أمين الجميّل، وبعد أعوام على عيد استقلال اغتيل فيه رئيس جمهوريّة منتخب هو رينيه معوّض. والحال أن هذا التزامُن الرمزيّ وهذه العناوين البارزة لأحداث مفصليّة لا تستنفد مآسي العيش في استقلال لم يُجد الشعب تدبّره والتعامل مع مشكلاته، حتى بات الاستقلال كأنّه عبء على الشعب أو كأنّه فخّ منصوب له.
فمنذ أواسط السبعينات، أو بالأحرى منذ أواخر الستينات، غدا الاستقلال أشبه بإطار تجري في داخله الحروب الأهليّة والإقليميّة. وهو ما يعني، حتّى لو لم نحتسب حرب 1958 المصغّرة، أن زمن الاستقرار في دولة ومجتمع أقصر، في الحقبة الاستقلاليّة، من زمن التنازع والاقتتال. أما المرحلة الانتدابيّة ما بين 1920 و1943 فلم تسل خلالها نقطة دم! وتجنّب العنف، لا غيره من الأغراض، هو ما ينبغي أن يكون غرض السياسة الأوّل.

وإذا ما وضعنا جانباً المسلّمات الأوروبيّة التي نسخناها وردّدناها ببغويّاً، من دون أن نملك مقوّماتها، كـ «الاستقلال» و «التحرر» و «الشعب»، صحّ القول إن اللبنانيّين أثبتوا، ويثبتون، أنهم لم يكونوا مؤهّلين، عام 1943، لنيل الاستقلال، وأنهم، اليوم، أقلّ تأهيلاً مما كانوا عهد ذاك. وما ينطبق عليهم ينطبق، بدرجات متفاوتة، على معظم البلدان التي تجاورهم. فأن تصبح الجماعات شعوباً فهذه مسألة ليست آليّة ولا حتميّة بقدر ما هي مسؤوليّةٌ وإرادةٌ وجدارة. ولا تكفي عضويّة الأمم المتّحدة ووجود علم ونشيد كي تصبح الجماعات شعباً ووطناً. ذاك أن تحوّلاً كهذا ليس مسألة كرامة وعصبيّة بقدر ما هو عمليّة إما أن يتعلّمها المعنيّون بالأمر ويندرجوا فيها وإما أن لا يفعلوا. فحين لا يقدم شعب افتراضيّ على تحويل نفسه شعباً فعليّاً، لا يكون تعييره بذلك عنصريّة تجاهه أو كرهاً له، كما قد يقول بخفّة دعاة «الصواب السياسيّ» والمساواتيّة التي لا تسندها حقيقة ولا تنهض على تاريخ.

أبعد من هذا أننا لا نعرف كيف تنفكّ الشعوب وكيف تفرط عقدها حين تنوي الكفّ عن كونها شعوباً. فها هي بلجيكا عرضة للانقسام، وفي بريطانيا مشكلة اسكتلنديّة بينما تنطوي كندا على مشكلة كيبيك. بيد أن تشيكوسلوفاكيا السابقة أسّست النموذج للطلاق المتمدّن الذي قد تندفع إليه البلدان المذكورة. فهي تفرعّت بلدين اثنين من دون ضربة كفّ.

أما لبنان ففي أفقه يكمن شبح العراق نموذجاً يخشاه الجميع من دون أن يطرح أيّ كان مسائل الشعب والوحدة والاستقلال على المساءلة. هكذا لا نجد حيال الفراغ الدستوريّ إلا التعلّق بالجيش ضامناً للأمن والتعلّق بـ «المعجزة» أداة للخلاص. عبر الأوّل نعلن عن مخاوفنا، وندلّ الى مدى استيلائها علينا، وعبر الثانية نرسم حجم افتقارنا الى جوامع فعليّة وواقعيّة. ومع هذا نمضي في شتم «الاستعمار» الذي نستحضره لعناً لأننا لم نصنع شيئاً ولم نخرج بتعريف لأنفسنا ما خلا مناهضتنا الاستعمار. فحين نكون مضادّين للاستعمار فحسب، يغدو وجود الاستعمار شرطاً لوجودنا نفسه. لكنّه لشديد أسفنا لن يعود.