بعد ثلاثين عاماً من سلام الهزيمة

mainThumb

21-11-2007 12:00 AM

طلبت مجلة «الأهرام ويكلي» التي تصدرها صحيفة «الأهرام» المصرية، اسبوعية وباللغة الانكليزية، «قراءة متأخرة» للزيارة التي قام بها الرئيس المصري السابق أنور السادات الى القدس المحتلة، قبل ثلاثين سنة، مفترضا انه خرق جدار الرفض العربي النفسي لاسرائيل وفكرة الصلح معها.
هنا جواب طلال سلمان على الأسئلة الثلاثة التالي نصها:
1ـ السؤال الأساسي الذي نبحث فيه يتعلق بكيفيــة ادارة العرب (سواء بصورة جماعية او فرديـة) لدفــة التفاوض/ الصــراع مع اسـرائيل خلال الـ30 عاما الماضية وعما اذا كانت هناك أخطاء استراتيجية اتي بها العرب في مختلف المحطات التفاوضية تسببت في اضعاف الموقف العربي التفاوضي والمقاوم على حد سواء.

2ـ السؤال الآخر الذي ننظر فيه هو المقارنة بين موقفي السادات وعباس: السادات صبيحة الزيارة الى القدس وعباس عشية أنابوليس... وعما اذا كان ما يقوم به عباس اليوم هو محصلة نهائية ام اضافة مكررة لما قام به السادات.

3ـ كذلك وبالضرورة نهتم بالنظر في آثار ما حدث خلال الـ30 عاما الماضية سواء بالسلب او الإيجــاب على مجمــل الوضـع العربي وخاصة على ما عرف بدول الطوق.
1 ـ حتى بعد ثلاثين عاماً ما زال تقديري أن الزيارة التي قام بها الرئيس الراحل أنور السادات الى القدس المحتلة كانت أكثر من جريمة: كانت خطأً سياسياً فادحاً، يدل على جهل فاضح بطبيعة العدو الإسرائيلي، كما أن بين عواقبها انها أسهمت في تدمير المستقبل العربي عموماً.

إنني من جيل تربى على ان مصر هي القيادة الشرعية للأمة العربية جميعاً: هي «الدولة» بينما الكيانات السياسية الأخرى استحدثت على عجل وبطريقة عشوائية تمنعها من أن تكون دولاً، سواء بتركيبتها السكانية او بقدرتها على الحياة من دون عون خارجي يسترهن إرادتها.

ثم إنني من المؤمنين بأن الكفاءة العالية التي قاتل بها الجيش المصري وحليفه الجيش السوري، والتضحيات الغالية التي بذلها الضباط والجنود البواسل من دون تردد او منّة، كانت تستحق وكان بوسعها أن تحقق ميدانياً نتائج أفضل بما لا يقاس مما تحقق فعلاً...

لكن القيادة السياسية، على ما تشهد به الوقائع التي كشفت عنها الوثائق والمذكرات الشخصية التي نشرها بعض المعنيين ممن لعبوا أدوارا خطيرة في قرار تلك الحرب ومسارها، وأبرزهم وزير الخارجية الاميركية آنذاك، هنري كيسنجر، كانت تتعجل الوصول إلى طاولة المفاوضات، متناسية أن إسرائيل عدو، وأن الإدارة الاميركية تنظر اليها كحليف استراتيجي، وبالتالي فهي تحرص على منع الهزيمة عنها بأي ثمن، ولا يهمها ان تكون مصر و «حليفها» السادات ضمن هذا الثمن.

كان العرب جميعاً، كل دولة بحسب قدراتها او شجاعة قيادتها، مع مصر وهي تقاتل «عدوهم» القومي، الذي انشأ دولته بالقوة المسلحة وبالدعم الدولي الهائل والمفتوح وعلى حساب بلد عربي وشعب عربي هو الشعب الفلسطيني... بل على حساب حاضر العرب جميعاً ومستقبلهم. وكانت الإدارة الاميركية تساند إسرائيل علناً، وبالسلاح، وبمخادعة القيادة المصرية واستدراجها سياسياً الى تنازلات تبدل مسار التاريخ في واحدة من مراحله الحاسمة.

وفي يقين جيلنا، كما في المعلومات والوثائق وكتب المذكرات التي اتيح لنا ان نطلع عليها بعدما سمح بنشرها، فلقد كان النصر العسكري في مدى الذراع لو ان القيادة السياسية لم تلجم اندفاعة الجيش المصري وتركته يصل الى الممرات، مفيدة من جهد الجيش السوري على جبهة الجولان في تشتيت قوة العدو والتقدم الى حيث يمكن التفاوض من موقع القوة لتحقيق الشروط التي تتناسب مع التضحيات العظيمة التي قدمها الجيشان والشعبان الشقيقان.

من هنا فلم يكن الأمر يتصل بالكفاءة في إدارة العرب دفة التفاوض/ الصراع مع إسرائيل، بل انه يتصل بتفريط القيادة السياسية بنصر كان قيد التحقيق، وبالتالي كان مقدراً له ان يجعلها في الموقع الأقوى متى جاءت لحظة التفاوض.

ان موازين القوة هي التي تحدد مسار التفاوض بين «عدوين» يتواجهان عسكرياً وليست «البراعة» او «الشطارة» او «الفهلوة»، ولا يمكن مع عدو شرس كإسرائيل الاعتماد على حسن النية او على الرغبة في السلام. كذلك فلا يمكن اعتبار هنري كيسنجر وسيطاً نزيهاً. لقد تصرف وكأنه أكثر إسرائيلية من غولدا مائير. وهو لا يخفي في كتاباته انه استغفل العرب، وبالذات الرئيس السادات، وخادعهم حتى نفذوا «خطته» هو لا خطتهم العسكرية الأصلية.

لقد تسبب استعجال القيادة السياسية التفاوض والاطمئنان الى خداع كيسنجر بالنكسة الفادحة التي مني بها الجيش المصري، والتي قلبت نتائج الاندفاعة المجيدة وعبور القناة (الدفرسوار)، ثم وصول القوات الإسرائيلية الي الضفة الغربية للقناة، وتهديدها القاهرة.

إن المبادرة السياسية مهما غلفتها «الشطارة» لا يمكنها ان تحلق فوق الوقائع الصلبة ومنها: طبيعة العدو، وطبيعة الوسيط وهو حليف العدو، كما أنها لا تعوض الخسارة العسكرية، والنتائج على الأرض هي التي تقرر شروط التفاوض.

ثم ان التفرد في التفاوض، بعيداً عن رفيق السلاح السوري، فضلاً عن الفلسطيني وهو صاحب القضية قد أضعف الموقف المصري منذ اللحظة الأولى... مما سينعكس، لاحقاً، ضعفا على الموقف العربي العام، وسيجعل إسرائيل في موقع تفاوضي أقوى بما لا يقاس ليس من مصر وحدها بل من العرب مجتمعين. اذ صار بوسعها ان تستخدم موقف كل دولة عربية ضد الدولة الأخرى، مما أضر ضرراً بالغاً بالقضية الفلسطينية.

كان الرئيس السادات يفترض انه بمنع الهزيمة عن إسرائيل يفتح الباب لحل سياسي تتبناه الإدارة الاميركية. ولكن إسرائيل كانت تقاتل وتكسب سياسياً، عبر كيسنجر، من داخل الخطوط المصرية.

2 ـ لا يمكن المقارنة بين الرئيس الراحل أنور السادات ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس كمفاوضين مع إسرائيل.

فالسادات كان رئيساً لمصر، البلد العربي الأكبر والأقوى، المحارب الذي كان على وشك ان ينتصر ثم أضاع انتصاره، وبالتالي فإن مجرد قبوله التفاوض ـ أي الخروج من الميدان ـ اغراء عظيم لإسرائيل، إذ سترتاح من احتمال مواجهة هذا البلد العظيم الذي خاضت ضده أربع حروب ( 1948ـ 1956ـ1967 ثم ,1973 إذا وضعنا جانباً حرب الاستنزاف 67 ـ 69)... فإذا خرجت مصر طويت صفحة الحروب الإسرائيلية العربية، على الأقل النظامية منها.

لقد ذهب السادات الى إسرائيل معززاً برصيد مصر، وقدرتها على ان تستعيد قوتها واحتمال ان تعود الى الميدان لتقاتل مجدداً من اجل أرضها ومن اجل فلسطين.
أما محمود عباس فوضعه أبأس من ان يجعله مفاوضاً.
انه رئيس سلطة ضعيفة أصلا، يحتويها الاحتلال الإسرائيلي ويتحكم بأسباب حياتها وموتها.

ثم إنه رئيس سلطة منشقة على ذاتها، وبعضها مشغول بقتال البعض الآخر، بينما إسرائيل تواصل بطشها بالمجاهدين من أبناء فلسطين في الضفة كما في قطاع غزة، وتفرض على الجميع حصار التجويع، وتتحكم بكل أسباب الحياة هنا وهناك.

وحرصاً على شيء من الموضوعية لا بد من الإشارة الى ان «العرب» قد تخلوا عن «السلطة الفلسطينية» وتركوها لمصيرها تحت الحصار الإسرائيلي. بل يمكن القول دون خوف من الغلط او الشطط ان «العرب» ـ ومن البداية ـ قد تركوا الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لمصيره، بعد «دخوله» الى فلسطين، فبخلوا عليه بالدعم السياسي وبالدعم المالي، بعضهم بالمزايدة عليه وطنياً واتهامه بالتفرد، وبعضهم بالخوف من العقاب، إسرائيلياً كان أو أميركياً او مشتركاً. وهكذا قتلت اسرائيل ياسر عرفات بدم بارد والعرب يتفرجون قبل ان يتباروا في رثائه.

وباختصار فإن سلطة عباس، الذي لا يملك لا وهج المقاتل ولا كفاءة القائد السياسي، والمتعجل الصلح المساوي للاستسلام هي سلطة عاجزة، مفلسة، تتسول المساعدات، بلا جيش، ليس لها من أسباب القوة إلا قضيتها المقدسة التي لا يمكن اغتيالها ولا يمكن دفنها حية.

لقد كان تفرد السادات في المفاوضات ثم في عقد الصلح المنفرد كارثة عربية بكل المعاني. بعد تلك الزيارة شطب احتمال الحرب مع إسرائيل. ومع انعدام احتمال الحرب لم تعد إسرائيل تجد مبرراً للتنازل...

ان فلسطين تدفع الآن ضريبة التخلي العربي الذي بررت به قيادتها تفردها في عقد اتفاق اوسلو وبذريعة ان لا تظل «القضية» بازارا مفتوحاً يفيد منها الآخرون على حساب أهلها، كما افترضت تلك القيادة.

لقد أثبت خروج مصر من الصراع ان الحرب مع إسرائيل من دونها شبه مستحيلة، ولم تكن تلك الجبهة التي أسميت «دول الطوق» أكثر من هيئة سياسية تحاول منع الانهيارات المتتابعة أكثر منها قيادة فعلية لقوة سياسية ـ عسكرية قادرة على العودة الى المواجهة مع إسرائيل، وخوض حرب جديدة.

كانت جبهة الطوق تلاقياً بالاضطرار، بين من أضعفهم خروج مصر من بينهم وانتقالها الى الضفة الأخرى، لكنها لم تكن جبهة جدية لا بالمعنى السياسي ولا خاصة بالمعنى العسكري.

3ـ من السهل اعتبار هذا المنطق محاولة عربية من الخارج لتحميل مصر المسؤولية عما أصاب العرب خلال الثلاثين سنة الأخيرة.

لكن الحقيقة أن هذا المنطق يتضمن اعترافاً بخطورة الدور المصري في القضايا العربية المصيرية، كالحرب والسلام مع إسرائيل، واستعادة الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني، وتأمين العرب عموماً من مخاطر الهيمنة الإسرائيلية التي كثيراً ما تغطي ذاتها بالعلم الاميركي.

مع لحظة خروج مصر من الميدان صار العرب أشتاتا متصارعة. ولم تعد تجمعهم حتى قضية مقدسة مثل فلسطين.

ساد منطق: أنا ومن بعدي الطوفان.

وجاء الطوفان فعلاً: أقدمت الإدارة الاميركية على احتلال العراق الذي كان حاكمه الطاغية قد أفقره وأذل شعبه وحطم معنويات جيشه بمغامراته المتتالية سواء الحرب التي شنها بلا مقدمات مقنعة على إيران، التي كان قد عقد مع شاهها الطاغية والمعادي للعرب اتفاق الجزائر الذي اعتبر في حينه تنازلاً خطيراً ليس له ما يبرره الا نيل الرضا الاميركي... ولقد دامت تلك الحرب ثماني سنوات، وانتهت بإضعاف العرب وإيران معاً، مما مكن لإسرائيل وزاد من أسباب مناعتها وقوتها، بينما حكم على شعب فلسطين بالمزيد من البؤس والإذلال والعجز عن تحقيق الحد الأدنى من الأدنى من مطامحه الوطنية المشروعة في أرضه وفي حلم دولة له فوق بعض البعض منها.
باختصار فلن تكون ثمة مفاوضات في انابوليس.

إذا عقد هذا المؤتمر فعلاً فلسوف يكون عنواناً لهزيمة عربية جديدة مسرحها مرة أخرى فلسطين... ولن يخفف منها انها تتم بموافقة معظم العرب ان لم يكن بموافقتهم جميعاً.

فإسرائيل تذهب الى المؤتمر وهي ـ بفضل الدعم الاميركي المفتوح والضعف العربي غير المحدود ـ قوة عظمى.

أما السلطة الفلسطينية فتذهب الى هذا المؤتمر منقسمة على نفسها، متهالكة، شعبها مجوّع، ومن كانوا فدائيين من أبنائها يجاهدون لتحريرها تحولوا الى شرطة غالباً ما تتولى قمع شعبها، لحساب إسرائيل... بل إن شرطة السلطة تعمل فعلاً في خدمة الاحتلال، كما تدل الوقائع اليومية المهينة التي يشهدها العالم في الضفة الغربية او في غزة على حد سواء.

الضعيف لا يفاوض.

المفاوضة تكون بين ندين متعادلين في القوة أو متقاربين.
أما في انابوليس فلن تكون ثمة مفاوضات، بل ستكون عملية إملاء للشروط الإسرائيلية على السلطة الفلسطينية بإرهاب الإدارة الاميركية وبالتخلي العربي، خصوصاً وقد باتت معظم الدول العربية لا تطمح الى أكثر من «السلامة».

ان الدول العربية الغنية قد خرجت من ميدان القضية الفلسطينية عملياً، وهي تريد هذا المؤتمر لتقول إنها أدت آخر ما يفرضه عليها الواجب تجاه شعب فلسطين وقضيته.
أما الأنظمة العربية في الدول الفقيرة فهي تريد أن تحصل من موافقتها على هذا المؤتمر او مشاركتها فيه على شهادة حسن سلوك من الإدارة الاميركية، تمكن لحكامها ان يستمروا في السلطة الى ما شاء الله، سواء بأشخاصهم ام بورثتهم شرعيين وغير شرعيين.

إنه زمن الهزيمة.
ومؤتمر انابوليس محطة على الطريق البلا نهاية لهذه الهزيمة المفتوحة.
ولان مصر عظيمة بشعبها وبتضحياتها الهائلة وبجيشها الباسل، بطل العبور، فإن خروجها من الميدان لم يلغ الحرب فقط بل هو قد ألغى ـ أساسا ـ السلام.
لا احد يفاوض الضعفاء، بل يملي عليهم، مهما بلغت قضيتهم من القداسة.