وسام جباليا

mainThumb

02-03-2008 12:00 AM

تستطيع إسرائيل إغراق غزة في بحر من الدم. تستطيع جعلها حقلاً لا ينجب غير الجنازات. تستطيع توزيع الجثث الصغيرة تحت الركام. وشطب الأطفال قبل موعد التحاقهم بالمقاومة. تستطيع اثبات ان السقف لا يحمي. والجدار لا يرد. والملجأ لا يبعد الخطر. والنفق يمكن الوصول اليه. وان إلغاء عائلات باكملها ممكن. وتغيير ملامح الشوارع ممكن.

تستطيع إسرائيل استهداف ناشطي «حماس» و «الجهاد». وتعقب القادة ايضاً. والانقضاض على سيارة تعبر شوارع غزة. وتحويل حياة الناس جحيماً. والايحاء بأن الصواريخ أكثر كلفة لمطلقيها منها لمن تستهدفهم. وان مقتل مستوطن واحد يعني مقتل فلسطينيين كثيرين. وان كل فلسطيني في غزة هو مشروع شهيد. وانه سيقتل حتماً وان المسألة مسألة توقيت وليس أكثر.
تستطيع إسرائيل القول ان غزة لن تكون آمنة ما دامت سديروت مهددة. وان غزة ستخسر كل شيء حين تتلاعب بأمن المستوطنات والمستوطنين. ستعيش بلا ماء. ولا كهرباء. ستتوقف ساعتها. وستقفر شوارعها. ولن يعبر أحد. الطريق مفتوحة فقط أمام المسرعين في مراسيم التشييع. يشيعون شهيداً ويستعدون لتشييع آخر.

تستطيع إسرائيل اغتيال غزاويين كثيرين لكنها لا تستطيع اغتيال غزة. لا تستطيع إسكاتها. ولا انتزاع توقيع منها. وهنا يكمن مأزق آلة القتل المجنونة. تخرج من مذبحة لتدخل في اخرى. تسجل الرقم القياسي في عدد ضحاياها وتبقى خائفة. تحاصر الآخرين وتمطرهم بالنار ثم تشعر بأنها المحاصرة. وبأن عدد الجنازات لا يكفي مهما ارتفع.

ما شهدته غزة أمس هو أوسع عملية اغتيال. انه اغتيال لمطلقي الصواريخ. وللتنظيمات التي ينتمون اليها. وللسلطة التي يعيشون في ظلها. ولمنطق المقاومة الذي تعتمده. وللبسطاء الذين ينجبون المقاومين والشهداء. انه عقاب جماعي مريع. ومن النوع الذي كان العالم يعتقد انه لم يعد قابلا للحدوث.

ما شهدته غزة أمس هو محاولة لاغتيال حكم «حماس» في غزة. محاولة للقول ان «حماس» ربحت أسيراً إسرائيلياً فأعادت ايقاع غزة بأسرها في الأسر. وان «حماس» تملك القدرة على إطلاق الصواريخ لكنها تعجز عن حماية من يعيشون في عهدتها. وان ممارسات «حكومة هنية» أقفلت في وجه فلسطينيي غزة كل الأبواب القريبة والبعيدة.

محاولة الاغتيال تستهدف أيضاً سلطة محمود عباس. فهو لا يستطيع الاستقالة من مصير فلسطينيي غزة لمجرد ان «حماس» أخرجت السلطة من هناك. لا يستطيع ولا يريد. وهي محاولة اغتيال للمفاوضات التي تجريها السلطة وتطالب فيها بحل نهائي يشمل أيضاً القدس واللاجئين. وقد تكون السلطة مستهدفة لإسقاط أي ضغوط اميركية جديدة على اسرائيل تنفيذاً لوعد بوش بقيام الدولتين والتوصل الى اتفاق خلال العام الحالي.

وهي عملية اغتيال للمبادرة العربية للسلام. واضح ان المبادرة تمتلك دعماً عربياً وإسلامياً ودولياً واسعاً. وان قوى فاعلة في العالم العربي تواصل مساعيها لدفع الولايات المتحدة الى ارغام إسرائيل على تقديم التنازلات الضرورية للتقدم على طريق إنهاء هذا النزاع المزمن. وواضح أيضاً أن حكومة ايهود أولمرت ليست جاهزة ولا مستعدة للمجازفة بالسير في طريق سلام يستحق التسمية.

عادت إسرائيل مجروحة من حرب تموز (يوليو) في لبنان. جرح في الهيبة. وجرح في القدرة على الردع. تقرير لجنة فينوغراد كان خطيراً. هكذا دفعت إسرائيل وزير دفاعها الخائب واستعانت بقاتل صاحب خبرة. بدأ عهد ايهود باراك. ليس من جيل الجنرالات المؤسسين للكيان كاسحق رابين وارييل شارون وغيرهما. لكنه الفائز في سباق الأوسمة في تاريخ الدولة العبرية. بارع في الضربات المفاجئة المدوية. اغتيال ثلاثة من قادة المقاومة في شوارع بيروت. اغتيال خليل الوزير (أبو جهاد) في تونس. واغتيالات أخرى أُبقيت طي الكتمان.

حظهم عاثر أطفال غزة. وقع الخيار عليهم في معركة استعادة الهيبة والقدرة على الردع. سيضيف باراك وسام جباليا الى حشد الأوسمة على صدره. سيسجل الرقم القياسي بوصفه قاتل الأطفال. وسيحسده ارييل شارون من غيبوبته. لكن عملية استعادة الهيبة قد تذهب أبعد. شيء، كأنه رائحة الحرب يهب، على المنطقة.