عندما يصبح رجال المخابرات شهداء قداسيين! .

mainThumb

19-02-2008 12:00 AM

فاجأتني أسئلته: أين وكيف ينتشر اللواء السبعون»؟ كم عدد ضباطه ودباباته؟ كان هذا اللواء يشكل القوة الضاربة السورية عندما بدأت سورية في أواخر الستينات تعيد بناء قواتها المسلحة استعدادا لحرب جديدة مع اسرائيل بعد هزيمة يونيو المنكرة.

كان السؤال وجيها في عصر لم تكن الأقمار الصناعية قد أتقنت تصوير حركة الجيوش ومواقع انتشارها. غير ان الصحافي المحترف يستطيع ان يميز بسهولة بين السؤال الصحافي والسؤال المخابراتي. لقد تأكدت أخيراً بما يشبه اليقين ان الرجل السائل، وكان المستشار الثاني في سفارة دولة آسيوية كبيرة في دمشق، هو ببساطة متناهية عميل لاسرائيل.
كان الديبلوماسي المريب صديقا لي. كان يحرص على دعوتي مع عدد من مراسلي وكالات الأنباء إلى حفلاته الديبلوماسية الأنيقة التي يقيمها في منزله، حيث يدور الحديث بين الديبلوماسيين عن السياسة، وحين يحلو لي الاستمتاع بثرثرة لذيذة تنثرها نساء فاتنات أو شمطاوات.

خرجت من مكتب الديبلوماسي العميل وأنا في حيرة شديدة. كنت موزعا بين خوفي على وطني وخوفي على نفسي! هل أبلغ الأجهزة المخابراتية بأمره؟ بعد تفكير طويل، قررت أن لا أبلغ عنه. تركت المهمة ربما لزميل آخر يمارس الديبلوماسي العميل معه أسئلته الاستفزازية المريبة.

فعلت ذلك بتأنيب شديد لي من ضميري الوطني. كان ذلك في أواخر الستينات. الإبلاغ يقتضي إجراء تحقيق طويل. قد يعرف عميل مخابراتي مزدوج داخل الجهاز بـ«وشايتي». وقد أتعرض لتصفية انتقامية لكشفي الديبلوماسي العميل.

حذري الشديد قد يبدو مضحكا. السنين التي مرت بعد ذلك أثبتت لي أن حذري كان في محله. في لقاء بين جاك شيراك في الثمانينات وآرنو دي بور شيغريف رئيس تحرير «نيوزويك» آنذاك، قال شيراك، وكان وقتها رئيساً للحكومة، ان كل أجهزة المخابرات في العالم مخترقة. وها هو صدام يعدم رئيس مخابراته فاضل البراك عندما كشفت وثائق العصر السوفيتي الراحل انه كان يتبادل المعلومات مع المخابرات السوفيتية.

في حياتي الصحافية الطويلة، تقاطعت مهنتي مرارا وتكرارا مع أجهزة أمن كثيرة في دول عديدة. لا مجال للحديث هنا بالتفصيل. لعل ما تبقى من العمر يسمح بأن أسجل في كتاب ذكريات حياتي بين السياسة والصحافة. وإذا كانت لي من نصيحة لأي زميل محترف، فهي عدم الوقوع في إغراء الشرك. العمل المخابراتي يدمر مصداقية الصحافي وثقته بنفسه وثقة الآخرين به.

اخترت هذه المقدمة الطويلة تمهيدا للحديث عن عميلين مخابراتيين اثنين. الأول اليهودي كوهين. عرفت كوهين باسم رجل الأعمال المغترب الذي عاد إلى «بلده» سورية باسم كامل أمين ثابت. كانت مائدتي التي تضم المرح والتسلية في المقهى بجوار مائدة أكبر جاسوس لاسرائيل في العالم العربي. كان يختار الجلوس مع شلة من المثقفين. لم أبادله حديثاً، ربما لأني لا أحب صحبة الأدباء، والمثقفين. أعتبر معظمهم أناسا شديدي الأنانية الفردية، ولا يمكن إدراجهم في «خانة» الفرح وخفة الظل.

ما زلت أعتقد أن كوهين كان له عملاء، وشركاء داخل النظام آنذاك. تم التعجيل بمحاكمته. كان القاضي البليد الذي حاكمه وحكم عليه بالاعدام من أصدقائه. لم يصرح كوهين خلال المحاكمة بمعلومات مثيرة. ربما لأنه وُعد بتخفيف الحكم عليه، أو اطلاق سراحه في عملية تبادلية مع اسرائيل.

بل عرفت ماجد شيخ الأرض العميل الذي أدخل كوهين إلى سورية. كان ماجد صديقا لي. كان كاتب الافتتاحية في صحيفة «صوت العرب» التي أدير تحريرها (1954). كان الرجل مرهقا لي بسبب أفكاره المغرقة في محافظتها، مات ماجد شيخ الأرض في السجن. لم تتحمل حياته المرفهة المتراوحة بين سورية وسويسرا عذاب المعتقل ووحشته.

العميل الثاني هو عماد مغنية. لم أعرفه. كنت قد غادرت لبنان منذ منتصف السبعينات في رحلة العمل الطويل في أوروبا. لكني أعتقد أن هذا الرجل هو ضحية تقاطع عمل أجهزة مخابراتية مختلفة. وضع الأميركيون 25 مليون دولار ثمنا لرأسه. هل باعه عميل أو جهاز أمن في البلد الذي يستضيفه؟ هل كان هناك طامع في المكافأة؟ أم هل أصبحت اقامته ونشاطاته الكثيرة لصالح إيران مع قادة المنظمات الفلسطينية المقيمين في دمشق، كابوسا مزعجا للنظام السوري، وعائقا لعلاقة التحالف والحب بين سورية وإيران؟

إيران و«حزب الله» اتهما اسرائيل بتصفية مغنية. لكن اصرار ايران على «تشكيل لجنة تحقيق» ينطوي على شكوك في دور سوري ما بتصفية عميلها. لا أعتقد أن اللجنة ستصل إلى شيء، لا شك أن مغنية كان مرصودا ومراقبا. تفجيره وهو يغادر المبنى دليل على أن الذين قاموا بالعملية يتمتعون بحرية عمل مريحة.

براءة سورية من دم مغنية احتمال من الاحتمالات في سلسلة ألغاز عملية التصفية. لكن م?Zنْ يأخذ بهذا الرأي عليه الاعتراف بأن دمشق باتت كبيروت ساحة للصراع الخفي بين أجهزة مخابرات أجنبية وعربية.

ربما كان مغنية أيضا ضحية تعاون وثيق بين المخابرات الأميركية والاسرائيلية. أرجح ان العملية كانت صناعة أميركية أكثر منها اسرائيلية، لأن أميركا قادرة أكثر من اسرائيل على تجنيد عملاء لبنانيين أو سوريين يعرفون دمشق جيدا.

كان عماد مغنية عميلا إيرانيا كبيرا خلال حرب الرهائن في لبنان الثمانينات. سجلت المخابرات الايرانية، بغضِّ نظر سوري، انتصارا كبيرا على المخابرات الغربية آنذاك. كانت حربا قذرة كلها كآبة وبشاعة. خطفت إيران عملاء وأبرياء أميركيين وأوروبيين. نسفت منظمة «الجهاد الإسلامي» ثم «حزب الله» السفارة الأميركية (63 قتيلا). نسفت معسكرات القوات الأميركية والفرنسية (300 عسكري قتيل).

كان الظهور العلني الأول والأخير لمغنية في قمرة قيادة الطائرة المخطوفة (1985). قتل فيها جندي مارينز أميركي. ألقى بجثته على أرض المطار. مقتل مغنية قد يطلق يد إيران و«حزب الله» للقيام بعمليات ضد الاسرائيليين في العالم، كما هدد حسن حزب الله. غير ان التنسيق الأمني الدولي بات يشكل عائقا للقيام بمثل هذه العمليات.

مغنية دليل على مدى قدرة إيران على تجنيد الشيعة العرب لتنفيذ عمليات ارهابية ولخدمة مصالحها في العالم العربي. الاغتيال لم يثبت الى الآن قدرته على منع العنف والإرهاب. سيظهر أكثر من مغنية يحل محل مغنية الأصلي. عندما قتلت اسرائيل عباس موسوي أمين عام حزب الله (1992) حل محله نائبه حسن حزب الله الذي أثبت أنه أكفأ من سابقه.

في «القتلة العادلون» قدم ألبير كامو صورة للإرهابي في نهاية القرن التاسع عشر. عدل الإرهابي عن قتل المسؤول القيصري خشية أن يصيب طفله الذي يحتضنه في عربته. أين منه الإرهابي العربي الذي يمارس قتل الناس والأطفال بالجملة اليوم؟ خطف رجال العنف المبادرة من رجال السلم. حلت «الجهادية السلاحية» محل الكفاح السياسي. إيران في تقديم عميلها مغنية «شهيداً» تحاول اضفاء نوع من المشروعية على ثقافة العنف، فيما كان لبنان يحتفل بذكرى شهيد آخر اعتمد العمل السلمي أسلوبا لحياة وعمل أفضل.