طوفان المرأة السعودية

mainThumb

12-02-2008 12:00 AM

نقّب في أدبياتنا الثقافية وطف في مجالسنا الاجتماعية واستمع لأحاديثنا اليومية، ستجد ترنيمة (خصوصية المجتمع السعودي) طاغية في خطابنا السعودي وغائرة في وعينا الجماعي.
ترنيمة طالما رددناها وقرأناها على أعمدة الصحف، أو في الحوارات المتضادة، ونقاشات الفكر المفتوحة، بحكم أننا مجتمع محافظ، تلك الخصوصية عادة ما تمحورت حول وضعية (المرأة السعودية) لدينا ما أسهم في شيوع ثقافة (العيب) بيننا، فغلبت عادات وتقاليد منشؤها البيئة على تلك الوضعية، حتى كانت النتيجة تحدياً سقيماً عن من يكشف اسم أمه أو يتباهى باسم أخته، أو يعترف باسم زوجته، سواء في مجلس يكتظ بمقرري المجتمع الذكوري أو على رقاع دعوة زواج أو مناسبة اجتماعية.

اليوم.. بدأت الأصوات الواعية ترتفع، أو إن شئت تطالب بالمكانة الحقيقية للمرأة السعودية (المسلمة)، في ضوء ما قررته الشريعة الإسلامية وشهد تطبيقاتها التاريخ الإسلامي المجيد، حينما كانت الشفاء بنت عبدالله تقوم على حسبة أسواق المدينة، أي بمثابة (وزيرة تجارة) بين عظماء الصحابة الكرام في ذلك العهد الزاهر، مع مراعاة أني لا أشك أن بين هذه الأصوات من يقول (كلمة حق) يريد بها (أمر باطل)، وأنه يستغل الموقف الراهن أو التحولات الاجتماعية الكبرى التي تمر بها المملكة في ظل خطوات الإصلاح الجريئة، وأجواء الحوار الوطني المفتوحة، والمساحة الإعلامية الممنوحة، يستغلها لمسخ المرأة السعودية على نسق المرأة الغربية، ولكن بين هذا المتحرر (غربياً)، والمعتدل (إسلامياً)، أو حتى ذلك (التقليدي)، الذي لا زال محاصراً بثقافة العيب ويناطح مفرزاتها، لا بد من الإقرار بحقيقة أن (الطوفان النسوي) السعودي قادم بقوة، وقد تسلح بحجة الدين ولغة العلم ومنطق الثقافة، في ظل قرارات رسمية تعزز دور المرأة الاجتماعي، وتفتح آفاقاً أرحب للمشاركة النسوية الفاعلة، فضلاً عن منحها مساحات جديدة للتحرك في إطار مجتمعها المحافظ بشخصيتها الاعتبارية، ولعل آخرها قرار السماح للمرأة بالإقامة الفندقية دون محرم، شريطة وجود إثبات رسمي لها، خاصةً أن هذا الطوفان الناعم ليس على هيئة واحدة، إنما أخلاط من مشارب علمية متباينة وثقافات متنوعة ومرجعيات فكرية متعددة، مما يزيد مسألة مواجهته تعقيداً.

هذا الطوفان الأنثوي السعودي، الذي تجسد بصورة (سيدات مال وأعمال) على الصفحات الأولى لبعض الصحف المحلية بعد مشاركتهن في منتديات اقتصادية، أو (أكاديميات وعالمات) تم تكريمهن في محافل دولية، أو (مذيعات وإعلاميات) ظهرن في برامج تلفزيونية ومهرجانات فنية، أو (سائحات ومغتربات في أرض الله الواسعة، إن لم يتم التعاطي معه بواقعية العصر الذي نعيشه، ومنطق الأشياء الصحيحة وفق الأحكام الشرعية للإسلام، والاعتبارات الوطنية للمملكة، والخصوصيات الثقافية للأمة، ومن ثم توظيف حركته في معترك بناء حضارة الإنسان السعودي، الذي هو لبنة في الصرح الإسلامي الكبير، فإنه لا ريب سيقتلعنا من جذور انتمائنا الإسلامي، عندما يتجه لتبني قيم الليبرالية الغربية، ويلغي كل خصائصنا الثقافية والوطنية التي تميزنا عن العالم تنوعاً إنسانياً وحضارياً وليس شذوذاً عنه، خاصةً أن المرأة مرآة الأمة، فإن كان الرجل له (الولاية) في المجتمع، فللمرأة (التربية) لهذا المجتمع، وهنا تكمن عظمة رسالة الأنثى، وعليه.. فإن الوقاية الاجتماعية والمعالجة الحضارية لوضعية المرأة السعودية تتطلب أن نعيد حساباتنا إزاء واقعها، ومساحات دورها على خريطة المشاركة التنموية، أو مساهمتها الحضارية بما يحقق أدوارها الحقيقية دون أن يختل ميزان مهمتها الإنسانية بين رسالتها الفعلية (صناعة الأجيال)، واستثناءات حياتها من دراسة علمية، أو وظيفة عملية، أو مشاركة اجتماعية، شريطة ألا تركن هذه الحسابات لمقررات (المنع) الذي نجيده بامتياز، أو ترهن ل(ثقافة العيب) التي شوهت حياتنا، أو تُقيد بمسألة (الخصوصية)،التي لم تستطع أن تصنع حدوداً أو تقيم سدوداً في وجه الإعلام الفضائي الهادر أو النشر الإلكتروني الكاسر، الذي اقتحم بيوتنا ووصل خلوتنا، وراح يُسهم بشكل كبير في صياغة منظومة أخلاقنا وعلاقاتنا الاجتماعية.