فتنة الإنترنت! .

mainThumb

25-11-2007 12:00 AM

حديثنا عن الفتن والمؤامرات والدسائس، والتي يخطط لها "أعداء العرب والمسلمين".. يتكرر على الدوام! ولكني اكتشفت في الآونة الأخيرة أننا لا نستحق عناء الاستخبارات الأميركية أو مخططات "الموساد" لـ"تمزيق الصف العربي"، و"تفتيت الكلمة الواحدة"، كل ما هو مطلوب مقال على الإنترنت.. يتناول قضية دينية أو جنسية أو مفاضلة بين دولة عربية وأخرى!

فإبداء رأي جريء في قضية دينية أو تفسير آية أو حديث، أو الدعوة إلى مفاهيم عصرية تتناقض مع الثقافة السائدة في فهم الدين، سرعان ما يجتذب عشرات وربما مئات التعقيبات والتعليقات والكلام الساخر وربما، بل المؤكد، بعض الشتائم.

وتنهال التعقيبات أولاً على أفكار المقال، ثم يترك المعلقون المقال نفسه للنيل من الكاتب، وبخاصة إن كان من المعروفين ضمن تيار معين، أو أن اسمه يحمل أي دلالة طائفية أو قبلية، أو أنه ينتمي إلى دولة "يخون" نظامها العرب، أو أنه ممن يدافع عن الأفكار الليبرالية والعلمانية.. وهكذا!
وما يكاد المعقبون يفرغون من ذلك حتى تنشب بينهم معركة مذهبية جانبية، على هامش المقال المثير للجدل. فهذا ينتصر لأهل السُّنة، وذاك للشيعة، وثالث يفسِّق ويبدِّع الاثنين، ورابع يهاجم "حزب الله" ونصرالله، وخامس ينزل على "علماء نجد" وسادس يسهب في عرض مؤامرات عبدالله بن سبأ، وسابع يتناول مساند الحديث وكتب الصحاح، وثامن يملأ الشاشة بالاقتباسات والإشارات حول "الكافي" وتاريخ التآمر لدى الرافضة منذ أيام المغول، وتاسع يتصدى لهذا بنقد التاريخ الإسلامي وباقتباسات وانتقادات مضادة، وعاشر يصرخ بالجمع كله: "يا ناس يا عرب يا مسلمين "الدنيا فين وانتو فين"؟ لماذا لا تنهون حوار الطرشان هذا وتلتفتون إلى عصركم؟" وهكذا.. وهكذا.. إلى ما لا نهاية!

وقد يشير المقال مثلاً إلى الحجاب في فرنسا أو الإرهاب في هولندا أو "حزب التحرير" في لندن أو "الإخوان" في مصر، وهنا تنهال تعليقات ورسائل إلكترونية كالمطر! وتكون بعض التعليقات مفيدة وموضوعية، ولكن سرعان ما تبدأ الاتهامات للكاتب وللغرب الكافر ولـ"بروتوكولات حكماء صهيون"، ولأتاتورك وبورقيبة وعبدالناصر، ثم يتحول الحديث، وقد نسي المتحاورون موضوع المقال، إلى تبادل الاتهامات والشتائم فيما بينهم حول تواطؤ فرنسا مع الحكومة الجزائرية، والسياسة الأميركية الإجرامية في كل العالم العربي والإسلامي، وضرورة استعادة الخلافة، وكيل الغرب بمكيالين ضد المسلمين، وهدى شعراوي وقاسم أمين والإيدز وختان البنات والمتعة وزواج المسيار!

ثم يقع تشابك وتداخل هائل، كأنه انفجار بعض النجوم في صور تلسكوب "هابل"، بين الإسلاميين أنفسهم، كل يناصر حزبه ويدعي صواب نهجه. ثم ينتقل الهجوم إلى الإمام أبوحامد الغزالي والمتصوفة، ليرتد على السلفية المتحجِّرة القادمة من الصحراء، ثم ينال الإخوان?Z نصيبٌ وافرٌ من نقد السلفيين و"التحريريين" عندما تساهلوا في كل شيء وتحالفوا مع كل حاكم وفرطوا في كل مبدأ! ولا ينبغي للمقال الديني أو الجنسي أو السياسي أن يكون عميقاً ليثير كل هذه الانشقاقات من المشرق إلى المغرب. فقد أبدت إحدى الممثلات مؤخراً رأيها في ممثلات دولة عربية أخرى، قائلة إننا "أحلى منهن"! وكانت واحدة من مصر والانتقاد موجهاً ضد السوريات! وهنا قامت "قيامة إلكترونية" على شاشات الكمبيوتر لم يقع لها مثيل بالطبع حتى عندما وقع الانفصال بين مصر وسوريا، وانفصمت عرى الجمهورية العربية المتحدة عام 1961.

وقد بدأ الحوار حول الجمال والنساء والتمثيل والدراما المصرية والسورية، ثم دخل أحد الخليجيين وربما غيره منتصراً لجمال المرأة السورية، ولكنه لم يكتف بذلك بل انتقد أشياء مصرية أخرى فأثار كلامه حفيظة الجمهور الإلكتروني المصري، وسرعان ما انقلب الكلام إلى تجريح معيب بين المشاركين ومزايدة في التهجم وسوء التعبير، وما لبث الكلام أن انقلب إلى نقد سياسي للكويت ومصر حول الحرب في العراق، ثم طال التراشق بين الأطراف، فتركتُ متابعته بعد أن شعرت بإرهاق شديد!

كم نسبة المستفيدين في الكمبيوتر والإنترنت في العالم العربي؟ لا أعرف بالضبط، ولكن إن كان هذا تعاملنا مع هذه الخدمة وهذا الجهاز العجيب، فالأفضل أن تبقى هذه النسبة محدودة، بل محدودة جداً.

حروب داحس والغبراء الإلكترونية هذه بين شعوب العالم العربي في الداخل والخارج، لا تنشب بين الجهلاء والأميين ومحدودي الثقافة، بل معظم المشاركين على الأرجح، ضمن "الشريحة الإلكترونية المتفتحة" من المتعلمين، وممن يعتمدون على هذا الجهاز في التعرف على العالم ومتابعة الصحف. إلا أن قلة قليلة من المعقبين ممن يطرح رأياً مفيداً، أو يضيف حقائق جديدة، أو يحاور الكاتب وبقية المعلقين بفهم ناضج. والكثيرون للأسف الشديد يستفيدون من الحماية التي يوفرها الجهاز لأسمائهم وهوياتهم، لكي يجرحوا الآخرين ويشتموهم دون حساب لأي ردع أو عقاب.

الملاحظ كذلك، من واقع ما يُنشر لي من مقالات وللآخرين في الإنترنت، أن الكثير من المقالات الجادة والقضايا الخطيرة لا تثير أي تعليق أو تعقيب أو نقاش، وقد يتضمن مقال مهم جداً إشارة جانبية إلى قضية تتناول الدين أو السياسة مثلاً، فترى المداخلات كلها تنصب على هذه الجزئية المحدودة، ولا أحد يكترث بالموضوع الأساسي!

مداخلات مستخدمي الإنترنت في الدول العربية كما يبدو، لا تختلف كثيراً عن "دردشة الكمبيوتر" فيما بين الكثيرين منهم، أو الرسائل التي يرسلها البعض إلى البرامج التلفزيونية. ولا أريد أن أبالغ في نقد هذا الجمهور، فهو يتضمن بلاشك الكثير من العقول الجادة والشخصيات الموقرة، ولكنني أتساءل كالعادة: هل هذا هو حال كُتّاب البلدان الأوروبية والآسيوية والأميركية مع القراء وأهل الثقافة الإلكترونية.. في تلك البلاد؟ وهل ثمة طريقة لإنضاج الوعي والمسؤولية لدى بعض المعقبين، كي يكتبوا ويعلقوا وكأن الناس تعرف أسماءهم وهوياتهم؟ هل الشفافية مطلوبة في السياسة والاقتصاد وحدهما؟ وهل يمكن لبعض المتابعين لاستخدام الإنترنت في الثقافات واللغات الأخرى، أن يبين لنا الفوارق أو التماثل؟

الملاحظ كذلك ضعف الروحية الفردية والاستقلال الفكري لدى المعقبين والمشاركين، فمعظمهم، رغم كل هذا الاحتكاك بالأفكار والثقافات، يردد أفكاراً أو حججاً معروفة، ولا تثيره التناقضات فيما يقول، ولا يكترث لعدم مناسبة أفكاره لواقع العصر. فالمهم بالنسبة له أن يردد كلاماً سمعه، ورأياً التقطه دون نقد!

الكثير من الآراء معادية لحرية المرأة وحقوقها، ومحتقرة لعقلها ودورها ومكانتها، ولأي ثقافة عصرية تناسب الأسرة الحديثة. الكثير من المعلقين لا علاقة لهم بأي تسامح ديني أو مذهبي، ويرون من حقهم أن يهاجموا أي دين وأن يشتموا أي مذهب وأن يفرضوا على المجتمع، باسم الدين و"مصلحة" الأمة، أي رأي يتحمسون له. عدد هائل من المعقبين لا يتلفت إلى حقوق الإنسان وحرية الإنسان ووثائق الأمم المتحدة والقيم الديمقراطية، وعدد لا بأس به يعطي العرب والمسلمين الحق في أن يعملوا ما يشاءون، وأن يمارسوا أي نوع من العنف والإرهاب ضد "الصهاينة والصليبيين وأعوانهم العلمانيين والحكام والأنظمة العربية".. وكذلك "الحداثيين"!

عدد لا بأس به لا يحترم مشاعر أي شعب في العالم العربي وغيره، ويطلق العنان لنفسه ليسخر ممن يشاء ويمس بسمعة ومكانة من يشاء.. وليكن ما يكون!

إن تعليقات الإنترنت العربية تعكس الواقع المأساوي للتعليم العام والجامعي والثقافة العربية على وجه العموم، وهو "واقع ثقافي" يتغذى من مصادر سياسية واقتصادية واجتماعية موبوءة بدورها ومتخلفة ومغلّفة بمفاهيم الاستبداد وكراهية التجديد والابتكار.

إن التجديد لدينا قريب من البدعة والابتداع! وتجارب الواقع، سياسية كانت أم اجتماعية، لا قيمة لها أمام "الثوابت والضوابط"! وعقولنا تسبح بين عالم العلم وعالم الموروثات، وتخاف كل الخوف من حسم أي قضية.

تعليقات الإنترنت لا تعري الثقافة العربية السطحية المشوشة التقليدية فحسب، بل تكشف ثغرات التربية وفن الحوار وأدب الحديث في مجهودنا الاجتماعي المبذول في ظل التخلف وثقافة القمع والتخويف والتحريم، كل ما يصادر استقلالية الرأي وسلامة التفكير.

يقال إن الشباب يشكلون النسبة الكبرى من سكان العالم العربي، ويقال إن الشباب هم قوة التغيير والتجديد في كل مكان. فهل يرى أي منا انعكاساً لهذه الفرضيات في استخدام شبابنا للإنترنت والتفاعل الثقافي معه؟ لا أريد أن أفسد على المتفائلين مشاعرهم!