العدالة والتنمية التركي في عيون إخوانية

mainThumb

26-10-2007 12:00 AM

أعاد فوز حزب «العدالة والتنمية» في تركيا المحافظ ذي الجذور الإسلامية الاعتبار إلى قضايا جوهرية تتعلق بالتيارات الإسلامية السياسية في العالم العربي والإسلامي.
أول هذه القضايا إمكان إدماج التيارات والحركات والأحزاب الإسلامية في الحياة السياسية دون خشية أو خوف.

وثانيها قدرة هذه الأحزاب والحركات على إدارة الشأن العام والملفات المعقدة، المتعلقة بالاقتصاد، والسياسة، والحرب والسلام، بكفاءة عالية؛ ما يؤهلها لمزيد من ثقة الناخبين والجمهور، بل وثقة النخب والاقتصاديين والمستثمرين.

وثالث هذه القضايا التزام الحركات والأحزاب الإسلامية آليات وثقافة النظم الديمقراطية، وأسس النظام الدستوري النيابي، رغم صعوبة ودقة الأوضاع والمشكلات التي تواجهها، ما يعني القدرة على بناء نموذج ديمقراطي إسلامي.

ورابع القضايا إمكان الحوار والاختلاف والاتفاق مع الغرب؛ سواء مع الاتحاد الأوروبي الملاصق لتركيا والعالم الإسلامي، صاحب التاريخ الصراعي المرير وخصوصا مع تركيا، أو الغرب البعيد كالولايات المتحدة الأمريكية التي ورثت هذا الصراع وتحارب جيوشها الآن في دول إسلامية وعربية.

يدرك «الإخوان المسلمون» جيدا الخلافات والفروق الجوهرية بين التجربة التركية وبين تجربتهم الذاتية في البلاد العربية، كما رصدها المحللون والمراقبون والدارسون. هذه الفروق تتمثل في الظروف السياسية التي أتاحت للحزب التركي المحافظ البقاء في الساحة السياسية منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي تحت أسماء مختلفة بدءا من «حزب النظام»، إلى «حزب السعادة»، والانشقاق الذي أدى إلى نشأة حزب «العدالة والتنمية».

ظل الحزب يعمل في السياسة فقط، وشارك في الحكم بعد سنوات قليلة من نشأته، كما شارك في قرارات خطيرة، مثل غزو قبرص، والاعتراف بالجمهورية في شمالها، ولم يفقد الحزب امتداداته السياسية، بل راكمها على مدار العقود في تجربة ثرية تستحق المزيد من الدراسة والتأمل والاستفادة من دروسها.

أهم هذه الدروس، ضرورة المناخ الديمقراطي لنمو ونضج الأحزاب الإسلامية، ولزوم مناخ الحريات العامة، واحترام الدستور والقانون من الأطراف كافة لاستقرار الحياة السياسية، ومن هنا، فإن الشعوب الإسلامية قادرة على صنع نموذج ديمقراطي يتناسب مع ثقافتها وعقيدتها دون الإخلال بالأسس الرئيسة لأية حياة ديمقراطية. ومن هنا يصبح العمل من أجل إرساء الحريات العامة بألوانها كافة، والجهاد من أجل تأسيس نظام ديمقراطي سليم من أولويات الحركة الإسلامية، خصوصا تلك التي تنتسب إلى مدرسة «الإخوان المسلمين» الوسطية المعتدلة.

وهناك فروق أخرى أساسية تتعلق بظروف النشأة وأهداف النشاط ومدى الغاية التي يسعى إليها الحزب التركي من جهة، وتلك التي صاحبت وما زالت تواكب حركة «الإخوان المسلمين» في الجهة الأخرى.

لا شك في أن حركة كـ«الإخوان المسلمين» توسعت في نشاطها الفكري، والثقافي، والمجتمعي، والسياسي؛ لتعمل في الدعوة، والتربية، والسياسة، والاقتصاد، وتبتغي في نهاية المطاف إرشاد العالم إلى الإسلام العظيم عبر سلسلة طويلة من الأهداف المرحلية، وهي تختلف عن حزب «العدالة» وريث الحركة السياسية الإسلامية التركية الذي يركز وفقط على النشاط السياسي، ويهدف إلى الوصول للسلطة بالطرق الديمقراطية لتنمية المجتمع التركي، ومقاومة الفساد، ولا يجرؤ قادته في ظل نظام علماني صارم على الجهر بكلمة واحدة عن الإسلام. ويحارب قادته الآن من أجل الوفاء بوعد انتخابي لإقرار حق الطالبات التركيات في ارتداء الحجاب الإسلامي في الجامعات التركية في بلد يعتنق 99 في المئة من مواطنيه الإسلام، بينما أصبح الحجاب زيا شبه تقليدي في مصر من دون مشاكل تذكر.

من هذه الفروق أيضا، دور تركيا ومكانتها في حلف شمال الأطلسي اللذان ترسخا أثناء الحرب الباردة، والرغبة التركية الجارفة في الانضمام للاتحاد الأوروبي تحقيقا لمصالح اقتصادية وسياسية وثقافية، فتصبح تركيا شريكا في المعادلة الأوروبية، وبالتالي في المعادلة الدولية، بينما تدهور دور مصر ومكانتها تدهورا سريعا في العقود الأخيرة، وها نحن نرى تركيا لاعبا إقليميا في الملفات الساخنة، وبتشجيع من الجهات الدولية، بينما انسحب الدور العربي كله إلى زاوية مهجورة، وأصبح هامشيا إلى درجة مذهلة.

اختلفت نظرة «الإخوان المسلمين» إلى التجربة التركية، فمع الترحيب الكبير بالانتصارات الانتخابية والسياسية والاتفاق التام على دراسة التجربة بتمعن، وأهمية الاستفادة من دروسها الضخمة، إلا أننا نستطيع رصد موقفين متناقضين:

الأول: الانبهار بالتجربة دون نظر واقعي إلى اختلاف الظروف، وهو موقف المتعجلين الذين كان هذا هو موقفهم نفسه من تجارب إسلامية سابقة شهدت بعد الانبهار إحباطا عقب الإخفاقات والصعوبات التي واجهتها تلك التجارب، كالتجربة السودانية مثلا، رغم الفروق الضخمة بين التجربتين، إلا أن الجامع بينهما هو مركزية قضية «السلطة»، و«الوصول إلى الحكم»، و«إمكان التغيير الفوقي»، مع القفز على المراحل التي يقتضيها منهج «الإخوان» المتدرج الذي يراه هؤلاء بطيئا جدا.

الثاني: الرافض للتجربة، والذي يشكك فيها ويتربص بها لسببين جوهريين، هما: قبول الحزب العلمانية المفروضة على البلاد وإعلانه ذلك مرارا، والثاني: العلاقة مع الغرب، وخصوصا أمريكا التي دعمت وصول الحزب إلى السلطة وفتحت أبواب البيت الأبيض لزعمائه، وفي مقدمتهم رجب طيب أردوغان قبل توليه رئاسة الوزراء، وهنا لا نغفل البعد النفسي الذي يخشاه هذا الموقف على الصف الإخواني من الانبهار بالتجربة والخشية من الانغماس في العمل السياسي وأثر ذلك على الأبعاد الأخرى للنشاط الإخواني في الدعوة والتربية، وهؤلاء لا يضعون ظروف تركيا في الاعتبار.

ويبقى هناك موقف وسطي معتدل عبرت عنه قيادة «الإخوان» ومرشدها في تهنئة الحزب التركي بنجاحه الساحق، وتمني التوفيق له في تحقيق آمال الشعب التركي الشقيق في حياة مستقرة، وإبداء الاستعداد للتعاون في مجالات الاهتمام المشترك.

ويواكب ذلك استعداد لدراسة التجربة بعمق للإفادة منها، مع إدراك صعوبة استنساخ التجارب الناجحة لاختلاف الظروف والمناخ السياسي، إلا أنه لم يصاحب ذلك حتى الآن إجراءات عملية بسبب ما تعانيه حركة «الإخوان المسلمين» في معظم البلاد العربية من مشكلات وتضييق وحصار، لعل معظمها ازداد في السنتين الأخيرتين بسبب نجاح حزب «العدالة والتنمية» في تركيا، إلى جانب النجاحات الإسلامية الأخرى في فلسطين، ومصر، وغيرها.