محنة الحنين العربي

mainThumb

06-10-2007 12:00 AM

ينمّ الإقبال على مسلسل الملك فاروق التلفزيونيّ، والاهتمام به، عن حنين بالغ التشوّش الى زمن ذاك العاهل الذي انتهت معه سلالة محمّد علي وابتدأ العهد الجمهوريّ والعسكريّ. وهو حنين يكبر تشوّشه كلّما صغرت أعمار المصابين بالحنين.

يصحّ ذلك، ولو على نحو أقلّ مباشرة في دلالاته، على الصلة بأغانٍ قديمة لأمّ كلثوم وأسمهان وليلى مراد ومحمّد عبدالوهاب، أو أعمال لطه حسين وتوفيق الحكيم، أو لأحمد لطفي السيّد ومحمّد حسين هيكل، وطبعاً على مواقف وسِي?Zر لسياسيّين كسعد زغلول ومصطفى النحّاس.


فذاك عالم نواجهه، بقدر من التفاوت، بالنوستالجيا التي تعني ح?Zرفيّاً «ألم العودة الى الوطن»، أو «الى البيت». ذاك أن الحنين (أو النوستالجيا) سعي الى بلوغ ما لم يعد بلوغه ممكناً وإقرارٌ بالألم المترتّب على استحالة استرجاعه. وهو ألمٌ مصدره أن الحياة مثل مياه النهر لا تتكرّر: فما مرّ أمام ناظرينا مرّ، أما الذي سوف يأتي فسيأتي جديداً كليّاً، ولو حمل أحياناً بعض ش?Zب?Zه شكليّ بسابقه.

لهذا استدعتْ بدايات الحقبة الصناعيّة نزعةً رومنطيقيّة شدّها الحنين الى ما قبل الصناعة: الى طبيعة عذراء وعلاقات نقيّة غير مشوبة بالآلة المعقّدة وتلوّث البشر بالتجارة أو تلوّث الفضاء بالدخان. مع هذا، بات الرومنطيقيّ إذا ما أراد الوصول بسرعة الى مكان يقصده، محكوماً باستخدام وسيلة نقل آليّة بدل استخدام الحصان الذي يتحسّر على انقراضه كوسيلة نقل.

بلغة أخرى، وحسب ما تقوله التجربة الغربيّة، ينشأ الحنين مرفقاً بتجاوز ما نحنّ إليه. أما أن نمارس ما نحنّ إليه، كأنْ نركب الحصان في زمن السيّارة، فذاك ما يرقى الى مادّة للسخرية وموضوع للدعابة. إن الذي يحنّ ينظر الى وراء.

لكن مشكلة العرب مع حنينهم أنهم إنما يحنّون الى ما لم يتجاوزوه. إنهم ينظرون الى أمام مستوحى من الماضي، بيد أنه أمام مسدود. فهم، وعملاً بالترميز السابق، لم يهجروا الحصان الى السيّارة، بل غادروه الى الحمار. وهذا، بطبيعة الحال، لا يصحّ في السلع الاستهلاكيّة وفي عدد كبير من التقنيّات وطرائق تسيير الأمور الخاصّة والعامّة. إلا أنه يصحّ في السياسات السائدة والأفكار التي تسندها كما العوالم التي تنشقّ عنها.

ذاك أن إطاحة الملك فاروق، مثلاً لا حصراً، لم تفتح الباب لتجربة أكثر ديموقراطيّة واستنارة، بل أسّست لقيام ديكتاتوريّة عسكريّة لا يزال بعض مفاعيلها سارياً حتى اليوم. والشيء نفسه يمكن قوله عن الانتقال من شاه إيران الى الخميني، ومن شكري القوتلي وخالد العظم الى حزب البعث، ومن نوري السعيد الى صدّام حسين، ومن لبنان القديم الى لبنان الحاليّ... وهو ما استمرّ تدهوراً متوالياً، ويستمرّ، وصولاً الى أحمدي نجاد و «حزب الله» و «حماس» واضرابهم. ولراغبٍ في الرجوع الى حقبات أقدم عهداً أن يذكّرنا بأن «القرون الوسطى» ماضي أوروبا، إلاّ أنها، هي ذاتها، زمن عربيّ وإسلاميّ متقدّم استعرنا لوصفه تعبيراً أوروبيّاً يدلّ الى التأخّر.

يضاعف معضلة?Z الحنين العربيّ عاملان: أن الثورة الديموغرافيّة التي تجعل مجتمعاتنا أشبه بحدائق أطفال مُفق?Zرة، لا ألعاب فيها ولا بهجة، توجّه شفرة الحنين الى غامض غير معروف. فأكثريّاتٌ ساحقة بيننا لا تفكّ لغز الأسماء التي ولّى أصحابها قبل عقد واحد. ثم إن الأنظمة البديلة، وغالبها راديكاليّ واستبداديّ، تعيد كتابة التاريخ بقسوة واحتكار وتزييف: هكذا تُميت، مرّة بعد مرّة، الذين سبق أن ماتوا، وتُنزلهم الى أرض يستلزم حفرُ طبقاتها جهوداً لا تملكها الذاكرات الطريّة.

بذا لا نعود نعرف تماماً الى ماذا نحنّ. نعرف فحسب ان ما يحيطنا لا يُطاق، خصوصاً أن البدلاء الراديكاليّين، لضيق عينهم، لا يحدّثوننا حتى عن أسلاف لهم: فنحن نادراً جدّاً ما نسمع منهم أسماء مصطفى كامل ومحمّد فريد وساطع الحصري وميشيل عفلق وأكرم الحوراني وعلي شريعتي ممن كانوا ليصلحوا، بشيء من رحابة الأحفاد، لأن يكونوا أجدادهم. غير أن الأحفاد هؤلاء، في نرجسيّتهم وخوفهم من ضعف شرعيّتهم، لا يقبلون أن يكونوا أقلّ من تأسيس غير مسبوق.

وهذا، بدوره، يحرمنا الصور الأخرى، بل يحرمنا الصور عموماً، فتصاب مخيّلاتنا بالقحط فيما تختلط علاقتنا بالزمن نفسه، حتى ليغدو الحنين مجرّد متابعة لمسلسل تلفزيونيّ في سهرة رمضانيّة نستسلم بعدها الى نوم عميق.