غوردون براون ليس في أحسن أحواله

mainThumb

06-11-2007 12:00 AM

غوردون براون، السيّد الحاليّ لـ10 داوننغ ستريت، هو من يمكن وصفه بصاحب التجربة المُرّة. فهو مثل عدّاء يركض ويركض لكنه ما أن يصل حتى يجد نفسه وجهاً لوجه مع هاوية سحيقة.

فبراون،كما هو معروف،القائد الفعليّ لتيّار التجديد في حزب العمّال البريطانيّ،وهو مثقّفه وخطيبه. إلا أن البحث عن الوجه الجذّاب والكاريزميّ في زمن"الصورة" (the image) هو ما استدعى اختيار صديقه اللدود توني بلير ليكون قائد الحزب.وبدوره، وجد الأخير ما يخدم طموحه في مظهره "الناعم" وإجادته عذوبة الكلام،فضلاً عن انتسابه الى الطبقة الوسطى الإنجليزيّة قياساً ببراون الاسكوتلنديّ الأصل وذي المنبت العمّاليّ.

ومنذ وصول "العمّال" الى السلطة، للمرّة الأولى عام 1997، تولّى براون وزارة المال، لكنه لبث ينتظر مذّاك، يسكنه اليقين بأنه الأجدر الذي سرق منه بلير ما هو حقّ له.وفي هذه الغضون كان هو رمز النجاح الذي تحقّق للاقتصاد البريطانيّ قياساً بالاقتصادات الأوروبيّة التي يطحنها الركود والبطالة معاً،لا سيّما أكبرها، أي الألمانيّ والفرنسيّ.

بيد أن حلمه في الحلول محلّ بلير لم يُكتب له الحظّ إلا متأخّراً،وبسبب حرب العراق التي أصابت شعبيّة حزب العمّال في الصميم بعدما مُرّغ في الوحل توني بلير الذي صار استمراره في قيادة الحزب وصفةً لهزيمة انتخابيّة محتّمة. وكان مما ضاعف التردّي عثور خصومهم المحافظين،بعد اختيار عدد من القادة الفاشلين،على وجه جديد وشابّ يقودهم، هو ديفيد كاميرون، نظروا إليه بوصفه قاطرتهم الى السلطة.

لكن غوردون براون،وقد حلّ أخيراً في رئاسة الحكومة، شرع يواجه سوء حظّه، أو أنه ربّما جاء في الوقت الخطأ وأضحى من المؤكّد أن يرث النتائج السلبيّة لعقد كامل من الحكم العمّاليّ. وفعلاً تجمّعت وتتجمّع الأسباب التي تعمل لغير صالحه فيما الضجر ينتاب البريطانيّين بعد عشر سنوات عمّاليّة طويلة:

ففي العراق،اعتمد براون سياسة تحاول أن تمتصّ آثار المشاركة المتحمّسة لبلير(بموافقته هو نفسه)، مفادها تجميع القوّات تمهيداً للانسحاب التدريجيّ.غير أن السياسة هذه لا يبدو أنها سوف تمتصّ شيئاً.فهي قد هوجمت من يسارها، العمّاليّ وغير العمّاليّ، بوصفها استئنافاً لسياسة التورّط البليريّة ولنهج "الالتحاق" بالسياسة الأميركيّة،من دون أن تثمر لا ديموقراطيّة ولا حتى استقراراً في العراق. كذلك هوجمت من يمينها المحافظ بوصفها تخلّياً غير جائز عن معركة مصيريّة مع الإرهاب و"القاعدة" والنفوذ الإيرانيّ معاً،وهي جميعاً قوى مستعدّة لأن تملأ كلّ فراغ يتركه البريطانيّون.

وجاءت الضربة الثانية مع اتّضاح رغبة حزب العمّال في إجراء انتخابات عامّة مبكرة تبعاً لتفوّقهم في استقصاءات الرأي العام.بيد أن استقصاءات أخرى ما لبثت أن ظهرت وبيّنت خطأ التقدير السابق.هكذا وعلى نحو غير منسّق،ولا مبرّر تماماً، تخلّى براون عن فكرة الانتخابات! وبسرعة انقلب الوجه الرصين الذي عُرف به وجهاً خفيفاً ومذعوراً يتحوّل على إيقاع الاستقصاءات العابرة.

وإذ تتجمّع اليوم،وسط الخوف من ضربة أميركيّة لإيران، بعض المخاوف من احتمالات التأثير السلبيّ لارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد البريطانيّ، بينما تظهر إشارات أوّليّة الى انخفاض في أسعار العقارات والبيوت،انفجرت، على شكل فضيحة، مشكلة العمالة الأجنبيّة. فالأرقام الرسميّة التي أُعلنت، في المرّة الأولى، أكّدت أن السنوات العمّاليّة العشر أوجدت 2،7 مليون فرصة عمل في بريطانيا،حصّةُ الأجانب منها800 ألف فرصة عمل. لكنْ ما لبثت أن ظهرت أرقام أخرى صحّحت الأرقام الأولى، مفادها أن فرص عمل الأجانب هي 1،1 مليون فرصة وليس800 ألف فحسب. ثم، وللمرّة الثالثة، صُحّحت الأرقام حيث تبيّن أن فرص عمل العقد الأخير هي2،1 مليون فرصة وليس 2،7.

وجاء ردّ الفعل الأوّل،في الرأي العامّ،ساخراً:إذ إن من يخطئ في احتساب الأرقام لا يؤتمن على الاقتصاد الوطنيّ.كذلك لم ينج من السخرية شعار غوردون براون الشهير

"فرص عمل لبريطانيّين".ذاك أن النسبة التي استقرّت عليها الحقيقة (2،1 مليون فرصة عمل منها 1،1 مليون للأجانب) تعني أن أكثريّة تلك الفرص ذهبت الى غير البريطانيّين.

والحال أن الرابطة الأوروبيّة المتوسّعة،والعولمة استطراداً،هي التي جعلت من الصعب الخروج بأرقام دقيقة وسريعة تحصي أولئك الذين يقومون بأعمال لم يعد البريطانيّون يزاولونها. ذاك أن آلاف الأوروبيّين الشرقيّين، لا سيّما منهم البولنديّين، صاروا يدخلون الى بريطانيا ويقيمون في أيّ مكان منها من دون أن يُسجّل رسميّاً حرف واحد يدلّ الى دخولهم وإقامتهم.

غير أن هذه الصعوبات الموضوعيّة آخر ما يشغل معارضة حزب المحافظين وصحافته، التابلويديّ منها وغير التابلويديّ، ممن لا يكفّون عن التلاعب على المشاعر القوميّة والتخويف بأوروبا.وهنا وجدوا فرصة باهرة قد لا يستطيع براون إفسادها عليهم.