رجل دفع ثمن كلمته
14-05-2011 12:31 PM
في الثالث عشر من شهر أيار قبل تسعة وعشرين عاما غادر الدنيا عبد الفتاح مفضي الفلاح الخريسات عن عمر لم يناهز تسعة وأربعين عاما، غادرها وهو يقول: إن مت ولم أكمل تعليمي الجامعي فسأموت وفي قلبي حسرة، والحسرة الحقيقية هي في قلوبنا نحن إلى اليوم، لأننا فقدنا رجلا شهد له كل من عرفه بأنه رجل دفع ثمن كلمته ومبادئه.
عدما أراد عبد الفتاح أن يقدم امتحان المترك في أوائل الخمسينات استثنى بعض المواد لعدم قدرته على دفع رسومها، وباعت "حمدة" والدته (لجن) الغسيل كي تكمل له رسوم باقي المواد ولكن ثمنه لم يكف، فتبرع جاره الشهم الكريم من "آل قموه" بما تبقى من ثمن الرسوم.
وعلى الرغم من ظروفه القاسية تمكن عبد الفتاح من تحقيق مركز متقدم في ترتيب الأوائل على محافظة البلقاء والأردن كله، وسلبت منه البعثة الأولى لأبناء الذوات الأقل منه معدلا والذين كانوا يتلقون منه دروسا خصوصية لشدة ذكائه، وكذلك البعثة الثانية على نفس المنوال، وذهب المرضعات بأبناء الأغنياء ولم يبق للفقراء سوى الفتات.
واجتمع ذوو القربى للبحث في أمر هذا اليتيم الفقير الذكي المجتهد ليعلموه، فتبرع أحدهم بنصف دينار شهريا، وآخر بدينار، وثالث بكذا، ونظروا إلى أشدهم قربا منه فقال قولته التي لم ينسها عبد الفتاح طيلة حياته: والله لو أراد هذا الولد ثمن عقلة يشنق بها نفسه ما أعطيته إياه! فانصرف القوم غير راشدين.
ولم ييأس عبد الفتاح رغم ظلم ذوي القربى الأشد مضاضة، ورغم الظلم الطبقي والفساد الحكومي في توزيع البعثات، واغتنم فرصة سانحة للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث التقى هناك بطارق حنا عزيز – رئيس الوزراء ووزير الخارجية العراقي الأسبق المحكوم حاليا بالإعدام- واستطاع عبد الفتاح التأثير عليه وتنظيمه في حزب البعث، حيث كان عبد الفتاح من أبرز البعثيين وأذكاهم وأقواهم شخصية وتأثيرا.
ولم يطل المقام بعبد الفتاح كثيرا في بيروت، فقد لعبت السياسة في سوريا وتقلباتها وانقلاباتها دورا في حرمانه من إكمال دراسته الجامعية، وعاد إلى مدرسة السلط الثانوية مدرسا للرياضيات لصفوف التوجيهي وهو أقل منهم درجة دراسية (المترك)، ولكنه لشدة ذكائه كان يفوق أقرانه وأساتذته ومن هم أعلى منه درجة علمية أو درجات.
وهنا حدث تحول عميق في فكر عبد الفتاح خريسات، حيث اقتنع بالفكرة الإسلامية والتزم بحزب التحرير الإسلامي وتدرج إلى أن بات من قياداته الفكرية المخلصة والمتفانية، وشهد له السيد عدنان أبو عودة في حديث له قبل أيام في صحيفة الرأي أنه كان مسؤولا حزبيا عنه في السلط، قبل أن يتحول الأخير إلى الشيوعية ثم إلى جهاز المخابرات ثم ليغدو رئيسا للديوان الملكي ووزيرا للإعلام، كما وصحب في تلك الفترة السيد مروان القاسم الذي أصبح فيما بعد أيضا رئيسا للديوان الملكي ووزيرا للخارجية.
وحدثني المهندس عبد الله حداد أنه قدم مع أصدقائه قي حافلة من حوارة في إربد إلى السلط في تلك الفترة من أواسط الخمسينات ليشاهدوا ذلك الشاب الأعجوبة الذي تحول من البعثية إلى التحريرية، الأمر الذي كان يعد حينها من المستحيلات في زمن المد القومي والناصري.
ولم تنته محاولات عبد الفتاح لإكمال دراسته الجامعية، فخرج يوما إلى يوغوسلافيا تاركا زوجته وابنه الرضيع البكر دون علمهما ولا علم أحد، ولم تمكنه ظروفه المادية من استئناف حلمه العلمي هناك فعاد مجبرا.
وانتقل عبد الفتاح إلى عمّان ليدرس في الكلية العلمية الإسلامية، ولم يحتمل يوما "دلع" أحد الطلاب من أبناء الذوات والمناصب العليا، فوبخه قائلا: اذهب و"تدلع" عند أبيك هناك! لتكون هذه الكلمة سببا في هجرته بدينه ومبادئه وكرامته وشموخه إلى بلاد الاغتراب.
حتى في بلاد الاغتراب لم ينس حلمه وهدفه، فتقدم لامتحان الثانوية العامة ليكون بالطبع من الأوائل، وحاول الدراسة بالانتساب إلى جامعة بيروت العربية في الإسكندرية، وقطع أشواطا قطعها بعد ذلك استغراقه في العمل بوظيفتين حتى ساعة متأخرة من الليل، ليطعم أفواها ويعيل عيالا ويقيت أسرة.
وهناك ظل عبد الفتاح قابضا على الجمر، يحن إلى يوم تشرق فيه شمس الخلافة الإسلامية على العالم، فيتمكن من العودة إلى الأردن التي أحبها حد الموت، وإلى السلط التي عشقها حد الجنون، كان يحب السلط وذكرياتها وأهلها وترابها وماءها وكرومها وتينها، كان وفيا لها بشكل لم أعهده في إنسان قط، حتى إنه كان يشتم رائحة أي أردني أو سلطي يسمع عنه ولو على بعد مئات الكيلومترات، فيسافر إليه ويصله ويدعوه ويولم له ويزوره ويداوم على زيارته، واستمر غيابه عن السلط والأردن في إحدى الفترات السياسية القاسية ما يزيد عن عشر سنوات متتاليات، ولا تسل عن يوم اللقاء بعدها!
في زيارته تلك، صلى الجمعة في مسجد السلط الكبير، وعاد إلى بيت أهله في واد الأكراد، ونظر في وجوه العشرات من الناس، يقول لي: عرفتهم جميعا، ولكن لم يعرفني منهم أحد، ولم يقل لي أحد كلمة: مرحبا!
بعد وفاته بسنوات، أفشى لي السر أحد أقرب الناس إليه، أنه كان حولهم في بلاد الغربة مئات الشباب، وكلفوا ذات يوم بمهمة خطيرة نتيجتها إن فشلت الإعدام لا غير، وقد أخبروا جميعا بالأمر وخيّروا، يقول: فانصرف المئات عنا جميعا، ولم يبق سواي وسوى عبد الفتاح.
رغم أن الكثير من أصحاب عبد الفتاح في الأردن والعراق تنسموا أرفع المناصب والدرجات ونالوا أعلى الشهادات وعاشوا في ظلال القصور، إلا أن عبد الفتاح عاش غريبا، ومات غريبا، عاش فقيرا، ومات فقيرا، مات وفي قلبه حسرة، لكنه (رجل دفع ثمن كلمته).
انخفاض كبير في مؤشرات الأسهم الأميركية
ترامب: جاء دورنا .. سنضرب إيران بقوة وهم يدركون ذلك
زيلينسكي يحذر من ضربة روسية كبرى محتملة
فرقة بو دشار تعيد أمجاد الطرب الشرقي في مهرجان جرش الأربعين
طفلة تحمل ثقل مدينة عطشى… وأم تخرّجت قبل ابنها
غوتيريش يدعو للعودة إلى الدبلوماسية في الشرق الأوسط
السعودية تسعى لبناء تحالف دولي لحماية الملاحة من الحوثيين
المدرسة الاسبانية للمدربين تفرض هيمنتها
«نهر ثالث» من تركيا إلى العراق
ألوان البشرة المختلفة .. قصة تكيف الأنسان مع الأرض
الذهب يرتفع إلى أكثر من 1% بعد تثبيت المركزي الأميركي الفائدة
المملكة تحت تأثير كتلة هوائية حارة اعتبارًا من الخميس
الانتهاء من التحضيرات لمهرجان الجميد والسمن العاشر
تقنية البث الخلوي للإنذار المبكر .. كيف يتم الإرسال في وضعية الصامت
منع الشورت في الأردن .. تقرير شامل يرصد الجدل والآراء القانونية والإعلامية والشعبية
تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن
وفاة أم وأطفالها الثلاث في حادث أليم على الطريق الصحراوي
إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء
انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً اليوم
حقيقة قصة تحول امام مسجد الى أنثى في الأردن
تنقلات وتعيينات في مديرية الأمن العام .. أسماء
حريق مجمع سفريات عجلون .. تجار يروون للسوسنة كيف فقدوا مصدر رزقهم
الدفاع المدني يتعامل مع حادث شخص محاصر داخل حفرة في منزله
إصابة 12 شخصاً بينهم طفل إثر عقر كلب ضال في إربد
ترفيع 4 عمداء وإحالتهم إلى التقاعد .. أسماء
ماسك يعلن أنه أصبح مليارديرا سابقا
الترخيص: لا وجود لإعادة الفحص عشرات المرات .. والحديث مجرد ترند

