«دروز بلغراد»

mainThumb

20-08-2012 04:45 AM

 أقرأ أخبار الساعة وأحوال الأمة، وأقرأ في «دروز بلغراد»، رواية ربيع جابر الحائزة جائزة بوكر العربية هذا العام. وما بين سرد ربيع جابر عن ظلم القرن التاسع عشر، وتفاصيل الأحداث في القرن الحادي والعشرين، أشعر بانقباض خانق. هل العذابات والعبودية والاضطهاد والتنكيل وظلام السجون وطحالبها، هي لعنة طويلة؟

 
ترى أشخاص ربيع جابر يتنقلون من بيروت إلى البلقان، كما تراهم على التلفزيونات اليوم. سجناء لا يعرفون لماذا، وضحايا لا يعرفون لماذا، ورجالا يحفرون قبورهم قبل الخروج من المنازل إلى متاهة الموت والحياة. لكن «دروز بلغراد» عثروا على روائي بارع، لعله عمل في التطريز قبل الانتقال إلى هذه الحرفة الأكثر صعوبة ودقة.
 
لا يفلت منه تفصيل ولا يغيب عنه العودة إلى ما سبق، لكي يربط الفصول بكل أناة ودقة وحرفة. الحبكة الروائية مذهلة ومثيرة، لكن ليست هي الأهم في أعمال ربيع جابر. الأهم هو المناخ التاريخي المؤلم والأليم، الذي يحرك دقة أبطاله وأشخاصه ولوحاته المرسومة بالحبر الأسود. وفي «أميركا» (2009، دار الآداب) كما في «دروز بلغراد»، يعيش أشخاصه في بؤس المنطقة. مستعبدو أواخر القرن التاسع عشر ومهاجرو أوائل القرن العشرين.
 
وإذ نطوي أوائل هذا القرن تزدحم في خواطرنا المشابهات. ليس عن قصد على الإطلاق. إذ يبدو أنه عندما ينكب ربيع جابر على صنع رواية لا يستطيع العيش إلا فيها. ويبدو كل ما هو خارجها عالما خارجيا. وهو يغمر نفسه بالأرق والحزن ومغالبة الضعفاء قبل أن يغمرنا بها.
 
ثمة عشق للتفاصيل وترتيب تراتبي مذهل لها. وإنني أستعير هذا التعبير منه إذ يصف قنا للدجاج في إحدى قرى البوسنة عند الغروب، فيقول «إن الدجاجات صفقت أجنحتها تريد ترتيب نومها». تراه عالما بتفاصيل الحياة في حقول الجبل، أو في ميناء بيروت القديم، أو في قافلة الحجيج المقبلة من البلقان بخيرها وإحسانها. ونراه عارفا ببلغراد مثل ساعي بريد صربي. يسخر البحث الهائل الدقة كما يستخدم مخيلته الملحاحة التي لا تشبع، من أجل أن يبدو المتخيل متمادي الواقعية.
 
لكن قراءته أليمة في هذه الظروف. كأنما واقع هذه المنطقة يرفض أن يتغير. وكأنما أحداث الآن سوف تتحول ذات مرحلة إلى رواية درامية أخرى، تفتت الأكباد، على الرغم من معرفتك أنها رواية وأنها خيال وأن تاريخها قبل أكثر من قرن. مؤلمة تشابهات التاريخ في هذه المنطقة. ومريع هو التاريخ.