غزة: مشاهد عابرة ودلالات كاشفة

غزة: مشاهد عابرة ودلالات كاشفة

30-01-2026 12:14 AM

في وقتٍ يسوده الظلام، وقتِ اضطراب أو ركود الخانق، حين يهبط ضباب سياسي وشخصي كثيف إلى حدّ أنك لا ترى أبعد من الفكرة التالية في رأسك، قد تصادف لحظة صغيرة تفضح معنى أكبر بكثير. قد تكون جملة عابرة، مقابلة، خطابا، أو مشهدا عاديا تماما، وربما مثيرا للضحك؛ لكنه يفتح فجأة نافذة على حقيقة بالغة الأثر.
جلس علي شعث مفوّض اللجنة الوطنية الفلسطينية المستحدثة لإدارة غزة، في أول مقابلة له الأسبوع الماضي، عشر دقائق كانت كافية لاستعادة دالّة لأجواء سبعينيات القرن الماضي: الكرسي العالي، الغرفة المزخرفة، أسئلة الصحافي الناعمة، وتفاهات تتدفق من فم الرجل ردا عليها. وبحلول الدقيقة 8:08 – بعد أن قدّم لنا الصحافي لمحة عن ضيفه، ظلّ الموظف الحكومي البالغ 66 عاما يشعر بالحاجة إلى التأكيد: «أنا مهندس. تخرجت من جامعة عين شمس بتقدير امتياز».
كأننا أمام مشهد مسرحي، تضافرت الغرفة والكرسي والرجل والابتسامة الجوفاء والكلمات نفسها لتؤلّف كوريغرافيا أفولٍ: في أعقاب الإبادة الجماعية، غياب القيادة الفلسطينية، يهدّد صمود قضية في أشد لحظاتها هشاشة.
ثمة مسعى إسرائيلي – أمريكي جارٍ، يتقدّم بجرأة فادحة، يهدف في آن واحد إلى تحييد التداعيات الدولية المدمّرة للمجزرة الجماعية، التي ارتكبتها إسرائيل، وإلى تمهيد الطريق لمحوٍ متعدد في غزة والضفة الغربية: محو الجريمة ذاتها، ومحو الحضور، والتاريخ، والوعد، وبالتالي محو مستقبل فلسطيني في فلسطين. مثل هذا المشروع يحتاج إلى مهندسيه وجنرالاته، إلى مناصريه ومعتذريه، إلى مشجعيه وجنوده الميدانيين، إلى بيروقراطييه و«إكسسواراته». ومشاهدة السيد شعث )لا شكّ أنه خيار همس به محمود عباس( وهو يقذف كلاما فارغا وعبارات مُسكّنة، كانت كمن يشهد شعبا فلسطينيا محاصرا وملاحقا ومرهقاً، تُرك وحيداً يواجه مصيره في أقسى الأوقات. لعلّها حكايةٌ مألوفة منذ عقود، لكنها اليوم تنطوي على عواقب قد تكون مدمّرة للقضية على أرضها المقدّسة، فيما تنال أخيرا إيماءة اعتراف من جانب قدرٍ كبير من البشرية. هذه مؤامرة، بكل تفاصيلها القبيحة المعروضة على الملأ، تُظهر كيف يتحوّل ما كان يوما غير قابل للتصوّر إلى أمرٍ مباح، بل ممكن التحقيق. إنها، في جوهرها، استعراضٌ علنيّ؛ انطلاقة ترامبيّة بامتياز، تبدأ من الولايات المتحدة نفسها، ممارسة السلطة هنا عقيدة: بديهية، آلية، غريزية.
وحتى «هياكل الحكم» المفترضة ليست إلا ابتكارات شاذة على بناء استعماري قديم: «رئيس تنفيذي للعالم» مُعيَّن ذاتيا يرأس «مجلس سلام»، مع رسم عضوية لمرة واحدة بقيمة مليار دولار يمنح عضوية مدى الحياة. وتحت هذا المجلس يجلس «المجلس التنفيذي المؤسِّس»، الذي يشرف بدوره على «المجلس التنفيذي لغزة»، والذي يحكم السكان الأصليين (علي شعث ولجنته) بسلطة منعدمة، ودورٍ واحد: إضفاء شرعية على ما هو فاضح اللاشرعية. ومعيار الإدانة القاطعة هنا سؤال بسيط للغاية: أيّ عضو في هذه المجالس، بمن فيهم «الرئيس التنفيذي» نفسه، يقبل أن يُفرض على شعبه ببنية حكمٍ كهذه؟ سؤالٌ قد يجيب عنه شعث وزملاؤه، ربما، مستعينين بشهادة «الامتياز» التي يحملها من جامعة عين شمس. «لكن ماذا كان بوسعنا أن نفعل؟» قد يحتجون. ونادرا ما لخّص جوابٌ واحدٌ، على هذا النحو الدقيق، الفشلَ الكارثيّ لحركة تحرّرٍ وطنيّ.
لحسن الحظ إن الطابع الترامبي الفاقع لهذا المشهد المتدحرج، يعفينا من عناء إزالة ركام التعابير الملطفة التي تحجب عادة النوايا الإمبريالية. كما أنه ينكشف على خلفية تصدعات – قد تكون غير قابلة للإصلاح- في النظام الدولي. نحن جميعا في عرض البحر، وهي حالة لا تلائم إطلاقا دوام مشاريع استعمارية تتّسم بقابلية عالية للانهيار. صحيح أن الاستعلاء الصارخ والطابع الهزلي للمخطط كله يدعوان إلى شيء من السخرية، لكن حين نُسقطهما على واقع غزة الديستوبي الراهن، يتحول أثرهما إلى رعب صافٍ. على الأرض المُدمَّرة لشعبٍ مُدمَّر، تغرس إسرائيل بالفعل «ذاتها الأكبر». ففي الشرق، على مساحة 58% من غزة التي تحتلها، تبني بسرعة قواعد عسكرية، وتشق طرقًا تصل إلى مستوطنات داخل إسرائيل، وإنشاء «تجمعات» للفلسطينيين لا يُسمح بدخولها إلا بـ»دعوات خاصة»، وحسب مطّلعين ميدانيين، فإن هذه محجوزة لعصاباتها المفضّلة وعائلاتهم. وقد استُخدم هذا الأسلوب الإسرائيلي طويلا في الضفة الغربية، بطرقٍ يعرفها الفلسطينيون جيّدا، لكنّ العالم يسيء قراءتها بسهولة، أو يتجاهلها تماما.
أمام هذه الخلفية المُرعبة، جلس السيد شعث، كثير الكلام وقليل المعنى، يكرر عبارات تافهة. لحظة صغيرة جدا، للأسف، ذات دلالة جسيمة.

كاتبة لبنانية



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد