كيف يخطئ العالم في قراءة الزلزال الإيراني
بينما تنشغل الشاشات الإخبارية بإيقاع التهويل بحركة «الأرمادا» الأمريكية المبحرة نحو مياه الخليج، وتتبارى البرامج الحوارية في تحليل تغريدات الرئيس ترامب حول السرعة والعنف، التي قد تطال طهران، كما طالت كاراكاس، يغيب عن غالب التغطيات التلفزيونية جوهر الكارثة المحدّقة التي قد يجلبها تدخل عسكري أمريكي في المنطقة.
إن ما يشهده المسرح الإيراني حالياً يتجاوز كونه جولة جديدة من «عض الأصابع» بين نظام (ديكتاتوري) وقوة عظمى مهيمنة ليتحوّل انزلاقاً نحو سيناريو «دولة كبرى فاشلة في قلب الشرق»، والذي لن يخرج منه أحد رابحاً سوى إسرائيل، الكيان الذي يتغذى على الخراب، ويجد في تفكيك الجغرافيا المحيطة بيئة مثالية لنمو هيمنته الإقليمية.
فخ السطحية الإعلامية: أمّة لا مجرد نظام
تعاني معظم التغطيات التلفزيونية العربية (والغربية) من اختزال مُخلّ للأمّة الإيرانية. تكتفي الكاميرات برصد المتظاهرين في شوارع طهران أو استعراضات الحرس الثوري الصاروخية، متجاهلة التعقيد السوسيولوجي والأنثروبولوجي لبلد يضم قرابة 90 مليون نسمة. هذا الاختزال يصور إيران ككتلة صمّاء، بينما هي في الواقع فسيفساء عرقية مذهلة من فرس وأذريين وكرد وعرب وبلوش وتركمان. كثير من الخطاب الإعلامي السائد يخلص لفكرة ساذجة مفادها أن سقوط «الجمهورية الإسلامية» سيعني آلياً ولادة ديمقراطية ليبرالية فوراً، متناسياً دروس التاريخ القريبة في الإقليم.
إن خطر انهيار الدولة في إيران يتخطى مسألة تغيير النظام. فنحن نتحدث عن هيكل دولة، رغم كل إخفاقاته الاقتصادية والسياسية وبيروقراطيته المترهلة، يظلّ الضامن الوحيد لمنع تحول الهضبة الإيرانية إلى أكبر بؤرة للمجاعة واللجوء والإرهاب العابر للحدود. فالانهيار هنا سيعني تفكك المؤسسات الخدمية التي يعتمد عليها الملايين، مما يحيل البلاد إلى ثقب أسود يبتلع أمن الشرق الأوسط (من باكستان إلى تركيا مروراً بالخليج العربي) بأسره.
ترامب: منطق القوة الغاشمة
يأتي التصعيد الأمريكي الأحدث – بقيادة وزير الخارجية ماركو روبيو وتحت إشراف مباشر من ترامب – بمثابة صبّ للزيت على نار مشتعلة بفعل الأزمات البنيوية الداخلية. مطالب واشنطن الحالية قاسية وتمثل حداً أقصى: الوقف الشامل لتخصيب اليورانيوم، تفكيك ترسانة الصواريخ الباليستية، والإنهاء الفوري لدعم (الأذرع) الإقليمية. في الظاهر، تبدو هذه شروطاً تفاوضية، لكنها ستُقرأ على أنها تهدف إلى تجريد الدولة الإيرانية من أدوات الردع الوحيدة قبل توجيه ضربة قاصمّة.
السياسة الأمريكية الراهنة تبدو مدفوعة بنشوة العملية الخاطفة في فنزويلا، لكن المقامرة هنا تحمل مخاطرَ كبرى. فطهران ليست كاراكاس؛ والبنية العسكرية الإيرانية مصممة لتكون لامركزية في حالات الطوارئ القصوى، واستهداف منشآت ناتنز أو أصفهان، أو حتى محاولات قطع الرأس عبر استهداف القيادات العليا، لن يقود بالضرورة إلى استسلام منظم، بل قد تفضي إلى تفتت السلطة. في هكذا سيناريو، ستصبح مخزونات اليورانيوم وآلاف الصواريخ والمعدّات العسكرية تحت رحمة قادة ميدانيين أو ميليشيات محلية تتصرف بدافع البقاء أو الانتقام، وهو كابوس أمني سيفقد العالم معه أيّ طرف يمكن مفاوضته لإعادة الاستقرار.
إسرائيل: الاستثمار في الفوضى المنظمة
في قلب هذا الضجيج، تبرز إسرائيل كطرف وحيد يرى في خراب إيران فرصة استراتيجية ذهبية. بالنسبة للقيادة في تل أبيب، فإن الهدف ليس إيران الضعيفة أو المرتدعة، بل لا بدّ من تحويلها إلى ساحة حرب أهلية، وتفتيتها إلى مناطق نفوذ متصارعة. فانهيار الدولة المركزية يعني إخراج أقوى منافس إقليمي من معادلة الصراع للأبد، وتحويل التهديد الوجودي إلى صراعات بينية تستنزف طاقات الإيرانيين وجيرانهم لعقود مقبلة. إسرائيل تتغذى على الفراغ الأمني المحيط بها، والنموذج الذي تود رؤيته في طهران هو نموذج الصومال أو ليبيا، حيث تغرق البلاد في صراعات إثنية تمزق وحدة الجغرافيا وتنهي فكرة الأمة الواحدة القوية.
اقتصاد المأساة: التغير المناخي والفساد البنيوي
بعيداً عن مشهد حاملات الطائرات المتجهة إلى الخليج، تعاني الجمهورية الإسلامية من أزمات صامتة هي التي تقوض شرعية النظام فعلياً. مثلاً أزمة المياه والجفاف تحولت في السنوات الأخيرة إلى قنبلة موقوتة دفعت بآلاف المزارعين نحو المدن الكبرى، مما خلق أحزمة فقر غاضبة، كما أدّى الفساد البنيوي وسوء الإدارة، الممزوجان بآثار العقوبات الغربيّة الخانقة إلى انهيار العملة المحلية، ووصول التضخم لمستويات غير مسبوقة.
الخطأ الفادح الذي يكرره المحللون الشاشيّون الأسرّى لمنطق السيناريو الواحد هو تصوير هذه الأزمات كمحركات للثورة فقط، دون الانتباه لكونها معاول لهدم الدولة، التي إن انهارت، فلن يجد الإيرانيون ديمقراطية ناجزة على النموذج الأثيني تنتظرهم، بل نقصاً في الدواء، وانقطاعاً في شبكات الكهرباء، واختفاءً للأمن الأساسي. وهذا ما تدركه في الواقع الأجيال الشابة الإيرانية، التي رغم رغبتها الجامحة في التحرر الاجتماعي، تعيش تحت وطأة خوف حقيقي من أن البديل عن الاستبداد المستقر قد يكون فوضى قاتلة.
معضلة الانتقال: الكتلة الحرجة
يردد بعض هؤلاء المحللين على شاشات أدمغتنا أن النظام الإيراني فقد شرعيته، وهذا توصيف دقيق، ربما بالنسبة لجزء من السكان، لكنه لم يفقد «سلطته» بعد. فالسلطة في طهران تستند إلى شبكة معقدة من المصالح المالية والعسكرية المتمثلة في الحرس الثوري والباسيج، والانهيار الحقيقي لن يقع إلا بحدوث انشقاقات عمودية في هذه المؤسسات، وهو أمر لم يحدث حتى في أصعب اللحظات في موجات الاحتجاجات السابقة.
إن ضغوط ترامب، والتخلي الأوروبي عن دور الوساطة ستدفع شبكة المصالح تلك إلى التخندق خلف تشدد مواقف القيادة. فهؤلاء يرون في أي تنازل نهاية لوجودهم المادي والسياسي، وبالتالي يفضلون خيار هدم المعبد على رؤوس الجميع بدل التسوية. وهنا تكمن خطورة الخطاب الأمريكي الحالي الذي لا يترك مجالاً لخروج آمن أو تحول واقعي، مما يجعل المواجهة الصفرية حتمية.
تداعيات على الجيران والعالم
إذا ما تحققت نبوءة «الدولة الفاشلة» في إيران، فإن التداعيات قد تكون عالمية، حيث شعب يفوق تعداده سكان سوريا بمرات. تفلت الأوضاع سيعني موجات نزوح بشرية ستغير ديموغرافية المنطقة، وقد تزعزع استقرار أوروبا بشكل لا يمكن احتواؤه. كذلك فإن توقف تدفق النفط والغاز الإيرانيين، واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، سيقفز بأسعار الطاقة إلى مستويات، ربما تجعل الركود العالمي قدراً محتوماً. لكن السؤال الأهم ربما في ظل غياب سلطة مركزية، أين ستذهب الرؤوس الحربية والصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة؟ إن وقوع هذه الأسلحة في يد ميليشيّات غير منضبطة كابوس تامّ يعمد كثيرون إلى تجنب التفكير فيه.
نحو رؤية مغايرة: لا لتدمير الدولة
القوى الدولية والإقليمية – والخطاب الإعلامي السائدّ – بحاجة إلى مقاربة تعترف بحدود القدرة على تغيير إيران بالقوة العسكرية. الضربات الجوية قد تدمر منشآت، لكنها لن تبني بديلاً سياسياً، ولذلك فإن الحفاظ على وحدة الدولة الإيرانية ومؤسساتها، مع الضغط من أجل تغيير سلوكها السياسي والحقوقي، يظلّ الرهان الوحيد العقلاني، لا سيما مع إشارات متزايدة على إمكان التوصل إلى صفقة إن تم حفظ ماء وجه النظام. أما الانجرار خلف النزوات الإسرائيلية في رؤية إيران محترقة، أو خلف اندفاعة ترامب نحو حسم ملفات معقدة بضربات «الأرمادا»، فربما هو مقامرة بمستقبل الشرق الأوسط بأكمله.
إعلامية وكاتبة لبنانية
ارتفاع ملموس على الحرارة .. تفاصيل الطقس حتى الأحد
فعاليات تحتفل بعيد ميلاد الملك الرابع والستين
أمل حجازي: الحجاب ليس فرضاً ولن ارتديه مجدداً
نسف مبانٍ وإطلاق نار مكثف للاحتلال بغزة
الاحتلال يواصل رش مواد مجهولة على الأراضي السورية
جلسة نقاشية بعنوان المشاركة الاقتصادية للشباب في الاردن
كيف يخطئ العالم في قراءة الزلزال الإيراني
غزة: مشاهد عابرة ودلالات كاشفة
أول ظهور لقاتلة الممثلة هدى الشعراوي .. صورة
الشائعات: تحليل في علم النفس الاجتماعي
اليرموك: تشكيل مجلس إدارة مركز دراسات التنمية المستدامة .. أسماء
قصة البطريق الذي غادر القطيع وأشعل الترند
وفاة المحامية زينة المجالي إثر تعرضها للطعن
من لويس الرابع عشر إلى ترامب: عودة الحاكم المطلق
الموافقة على مذكرة تفاهم بين الأردن وتركيا وسوريا
بلدية الرصيفة تفتح أبواب التوظيف للشباب من 18 إلى 45 عاماً .. تفاصيل
وزارة النقل: 180 حافلة جديدة ضمن المرحلة الثانية لمشروع النقل المنتظم
توقعات بمزيد من ارتفاع أسعار الذهب
المحامية زينة المجالي كتبت تدوينة قبل رحيلها المأساوي
مياه اليرموك تستبدل خط صرف صحي تسبّب بفيضان مياه عادمة
الأمير علي: الأردن يفخر باستضافة تصوير ذا فويس
زيارة جلالة الملك لمدينة اربد محورها الإنسان وصحة الأبدان
فرصة للشباب المبتكر: YIELD يفتح باب التقديم لدعم أفكار التكنولوجيا
ورثة عبد الحليم حافظ يلاحقون العندليب الأبيض قضائياً


