من البكّيني إلى النقاب .. ما هي الأسباب؟

mainThumb

13-01-2015 06:44 PM

كلّ مَنْ تابع الأخبار هذه الأيام قد سمِع عن المتّهمة الجزائرية"حياة بومدين" والتي هربت منذ أسبوع من فرنسا إلى تركيا، والتي تعتقد الأجهزة الاستخبارية الفرنسية أنها قد تسللت إلى سوريا للإنضمام إلى داعش. هذه المرأة قد أثارت ضجيجا وزوبعة لم تتوقف حتى اللحظة بسبب دورها المزعوم في العملية الدموية التي هاجم فيها زوجها المسلم أميدي كوليبالي (فرنسي من أصل سنغالي) المتجر اليهودي في العاصمة الفرنسية باريس والذي راح ضحيته ما يقارب 4 أشخاص من المدنيين اليهود مرتادي السوق، وفي تزامن متعمد مع الهجوم الذي شنّه الأخوين كواشي على مقر المجلّة الفرنسية السيئة الصيت والسمعة "شارلي إيبدو" والتي نشرت فيما مضى الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وذلك في سابقة فريدة من نوعها في الإساءة للإسلام والمسلمين ونبيهم خاتم الأنبياء وسيّد المرسلين.


حياة بو مدين كانت فتاة مثل الفتيات الغربيات في سلوكها ونهجها ولم تكن ترتدي الحجاب، حتى أنها ظهرت في بعض الصور وهي ترتدي البكيني مع زوجها على الشاطيء في إشارة واضحة جدا لبُعدها الشديد عن الإسلام وتعاليمه الواضحة فيما يخص اللباس الشرعي وما هو حلال أو حرام في زي المرأة.


تحولت هذه المرأة وبقدرة قادر من تلك المرأة المتحررة جدا إلى ارتداء النقاب وما تبع ذلك من تقلّدها لبعض الأفكار التي يرى البعض أنها متطرفة جدا إلى حد أنها شاركت زوجها أو دعمته من أجل تنفيذ عمليته في الهجوم على السوق التجاري.


ولكن السؤال المطروح وبإلحاح: كيف استطاعت هذه المرأة أن تنتقل من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال وبهذا الشكل الذي جازفت فيه هي وزوجها بحياتهما ومستقبلهما؟ ما الذي دفع هذه المرأة إلى أن تضحي بحياتها المستقرة نوعا ما في فرنسا عاصمة الحرية والجمال ولماذا في هذا الوقت بالذات؟ ألم تجد هي وزوجها وسيلة أخرى أقل دموية في إيصال رسالتها للمجتمع الفرنسي بدون سفك للدماء وإزهاق للأرواح؟ أوليس هذا ما كان يبحث عنه أعداء الإسلام في الصاق تهمة الإرهاب على الإسلام والمسلمين حينما دافعنا مرارا وتكرارا عن سماحة ديننا ودعوته للتحاور مع الآخرين ثم أثبتت هي وغيرها وبشكل واضح صواب اعتقاداتهم وادعاءاتهم!!


لا شك أني مثلي مثل غيري رفضنا وبكل ما أوتينا من قوة تلك الرسوم المسيئة، ولكن مواقفنا لم يكن لها أي أثر وذلك بسبب تخاذل دولنا الواضح عن دعم الموقف الشعبي مما سمح للفكر المتطرف في الغرب أن يستمرئ الاستهزاء بنا وبثوابتنا فهُنّا عليهم بعد أن هانت علينا أنفسنا وقد صدق المتنبي حين قال:


مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيهِما لجرحٍ بميّتٍ إيلامُ


لقد ارتأت حياة بومدين وزوجها والبعض من أبناء أمتنا العربية والإسلامية أن يأخذوا على عاتقهم الدفاع عن دينهم ورسولهم بالطريقة التي ارتأوها صوابا والأكثر تأثيرا من وجهة نظرهم فانضم البعض للقاعدة والبعض الآخر لداعش وغيرها من التنظيمات العقائدية التي تقوم على التكفيروشيطنة الآخرين وبدأت معهم مرحلة جديدة من تشرّب الأفكار المتطرفة جدا والتي تبيح القتل وسفك الدماء لقناعتهم التامة بصحة اعتقاداتهم وصواب أفكارهم. هذا الإحساس المتعاظم بالظلم والقهر من المواطن العربي أو المسلم غير العربي دفع البعض منهم لاعتناق تلك الأفكار بدون تفكير وأسلموا قياد أمورهم إلى أمرائهم من قادة هذا الفكر والنهج المنحرف ففعلوا ما فعلوا وتركونا نعاني من آثار أفعالهم ونجترّ بقايا صنيعهم وجرائمهم.


والحق يقال أني كمسلم لا يمكن أن أقبل في نفس الوقت أن أُحابي الغرب على حساب ديني ومعتقداتي وهويتي التي أنتمي إليها وأفتخر كثيرا بكوني عربيا مسلما أبا عن جدّ، ولا أقبل بأي شكل من الأشكال التعدّي على مقدساتنا وأوطاننا بحجة محاربة الإرهاب والفكر المتطرف من الغرب الذي لا يؤمن سوى بمصالحه وتحقيق الرخاء لأبنائه على حساب الآخرين. ولكني في نفس الوقت أُدين وبكل شدة أي محاولة للتعامل مع الغرب بهذه الأعمال التفجيرية أو الدموية فقط لإثبات صحة معتقداتي وصواب منهجي، فبدلا من أن نكسب الغرب بأفعالنا وتسامحنا (بدون خنوع أو خضوع) بدأنا نخسر صفوف المعتدلين منهم والعقلاء فانضموا لصفوف اليمين المتطرف منهم في امتهان العرب والمسلمين واضفاء صفة الإرهاب عليهم بدون تمييز بين مسلم وآخر. كنت فيما مضى قد قرأت كتابا وكان عنوانه "إسلام بلا دماء" صدر عن دار المسبار وشارك فيه مجموعة من الباحثين وعلى رأسهم المنظّر السوري الدكتور خالص جلبي  وهو باحث متخصص في مشاكل العنف ونقد الحركات الإسلامية. والذي عرّف العنف بأنه ليس الضرب باليد أو التراشق بالصواريخ فقط، بل إن العنف يبدأ في الرؤوس قبل سل السيوف. ويقول أن العالم العربي وثقافته يستحمان بالعنف، فأزمتنا ثقافية أحد تجلياتها سياسية، والسياسي هو حفيد المثقف، وأن الديموقراطية لا يمكن أن تنمو مع العنف.
هذا الكتاب وما فيه من فكر؛يدعو إلى تجنب كافة أشكال العنف ومنها الدفاع عن النفس، مرفوض جملة وتفصيلا ولا يمكن لعاقل أن يقبله أو أن يستسيغه، فالحق لا بد له من قوةٍ تحميه وتضفي عليه المهابة وتُشكّل رادعا لكل من تسوّل له نفسه أن يتجاوز الخطوط الحمر لا أن نمد له الخدّ تلو الآخر ليضرب كما يشاء.


إن انتقال هذه المرأة إذاً لم يكن غريبا مع وجود هذا الظلم اللامتناهي في عالمنا العربي وفقدان للحقوق وضياع للثوابت إلى النقيض الآخر ليس مستغربا أبدا إذا نظرنا أيضا إلى نتائج تدخّل الغرب في بلداننا وإشاعتهم للفوضى والخراب وتأييدهم للأنظمة الشمولية والقهرية وإفرازات ذلك واضحة وجليّة لكل ذي لُبّ في سوريا والعراق وليبيا وفلسطين وأفغانستان وغيرها الكثير الكثير.


هذه الفتاة وغيرها من الفتيات هم ضحايا قبل أن يكونوا مجرمين وإذا أردنا أن نعالج المشكلة فلا بد لنا أن نبحث عن السبب قبل أن نُكيل التهم جزافا، وحتى ذلك الحين فإني لا أظن أن مسلسل هذه الأحداث سيتوقف قريبا. فالحل لا يكمن في الخارج بل يكمن في أنفسنا وفي رجال ديننا الذين اتخذ الكثير منهم ركنا قصيّا وما انفكّ يفتي كما يشاء ويرفض الحوار مع مَنْ يخالفه الرأي، فجيروا الدين الإسلامي لحسابهم ووفقا لرؤاهم، وتناسى البعض عامدا متعمدا سماحة الإسلام وجوهره الحقيقي في إشاعة الأمن والسلام والتراحم بين الناس جميعا.