فارسٌ من زمن آخر (الجزء الثاني)

فارسٌ من زمن آخر (الجزء الثاني)

19-02-2015 11:35 PM

 عزيزي القارئ: في الجزء الثاني من حكايتنا نتابع اليوم الرحلة التي خضناها سوية ووصلنا بها إلى ضفاف نهر دجلة في شارع أبو نواس الشهير. كنا نياما حين أفقنا على كارثة مدوية وهي دخول المغول على بغداد في العام 1258 يتقدمهم القائد الدموي هولاكو والذي أمر بتدمير المكتبة المستنصرية وهي أكبر مكتبة في العالم في ذلك الزمان، وتم إلقاء كافة محتوياتها بالنهر الذي تحول لونه إلى مزيج من اللونين الأسود للحبر والأحمر لدماء البغداديين الذين ألقيت جثثهم في النهر أيضا. أفاق رفيقي مذعورا متسائلا عن هذه الضجة والفوضى التي تعم الشوارع والأزقة فأوضحت له أنه الغزو المغولي الآثم الذي حرق بغداد كاملة وقتلوا فيها الآلاف من البغداديين بدون ذنب سوى أنها سادية يمارسها المغول على غيرهم من البشر.

سألني مذهولا: أي مغول وأي حرق لبغداد يا رجل!؟ نحن المفروض في القرن العشرين وأنت تحدثني عن أحداث وقعت قبل قرون، حتما إنك تمزح فقد يكون ذلك من فِعل جنود الاستعمار الانجليزي للعراق أما المغول فهذا مُحال.
ربتُّ على كتفه في إشارة إلى صدق كلامي وأخبرته أن الرحلة قد عادت بنا إلى ذاك الزمان من أجل العبرة والفائدة، ولكن لا بأس عليك سنتابع رحلتنا ونمضي بعيدا إلى شبه الجزيرة العربية متوجهين شطر المدينة المنورة والبيت الحرام. تنفس صديقي الصعداء وأخذ نفسا عميق وتنهد قائلا: بالله عليك أريد أن أستمتع برحلتي لا أن أرى أهولا وكوابيس وأحداثا أليمة تنسيني نشوة الاستمتاع بالرحلة، وأتمنى ألّا يكون هناك المزيد من هذه المفاجآت. امتطينا الراحلة التي عبرت بنا الزمن لتعيدنا إلى حيث كنا في بدايات القرن العشرين ورفيق دربي يحدث نفسه بهمهمات وأصوات يصدرها تدل على الدهشة وعدم التصديق ولا زلت أطمئنه بأن ذلك لن يتكرر أبدا إن شاء الله. 
عبرنا الصحراء والتقينا بالبدو الرُحّل فأكرمونا إكراما نفتقده نحن العرب كثيرا في أيامنا هذه. وفي الطريق ضربتنا عاصفة رملية هوجاء كادت أن تأخذنا معها فاختبئنا عند سفح إحدى الهضاب حتى زالت الموجة الغاضبة من الرياح ثم تابعنا المسير وفجأة سمعنا اصوات إطلاق نيران متفرقة تصاحبها بعض أصوات المتفجرات من هنا وهناك فانبطحنا أرضا ومضينا نراقب الأحداث عن بعد. كانت المعركة بين فلول الجيش العثماني المنسحبين نحو الشمال وبين الثوار العرب بقيادة الشريف حسين وأولاده فيما سمي لاحقا بالثورة العربية الكبرى. كانت الأسلحة المستخدمة من الطرفين عبارة عن أسلحة نارية فتّاكة ولكن العرب كانوا يمتلكون الإرادة القوية وبعض الأسلحة المتطورة التي زودتهم بها بريطانيا. وعلى الفور ومن باب الفضول سألت صديقي هل تعرف شيئا عن معركة "مرج دابق" التاريخية يا أخي؟ فأجاب بالنفي، فقلت يجب عليك أن تدرس التاريخ لتعرف المستقبل، فتلك المعركة كانت العلامة البارزة على نهاية العصور الوسطى وبداية العصر الحديث في العالم العربي. حدثت معركة مرج دابق على مشارف مدينة حلب واستطاع فيها العثمانيون وبقيادة السلطان سليم العابس أن يسحقوا جيش المماليك بقيادة قانصوه الغوري التي مات مشلولا بعد أن وقع عن حصانه إثر الهزيمة النكراء. تلك المعركة تميزت بعنصرين أساسيين؛ الأول أن جيش العثمانيين كان مجهزا بالأسلحة النارية في حين كان المماليك يحاربون بالسيوف والرماح في معركة محسومة النتائج. والعنصر الثاني أن تلك المعركة نقلت عاصمة الدولة الإسلامية لأول مرة من الدول العربية إلى دولة غير عربية. أثنى صديقي على معلوماتي القيمة وتمنى أن نتابع الرحلة ونتفادى مناطق القتال والنزاع. وصلنا فجرا مدينة رسول الله؛ المدينة المنورة، وكانت تعجّ بالزوار من مختلف أرجاء العالم، فيها شعرنا بالطمأنينة والألفة ورأينا وجوها أقل ما يقال عنها أنها مشرقة بنور الإيمان. وما أن وصلنا للمسجد النبوي حتى تفاجأ صديقي من بساطة المبنى مقارنة مع أيامنا هذه فقلت له تذّكر أننا في بدايات القرن العشرين. صلينا في المسجد النبوي صلاتي الظهر والعصر جمعا وقصرا وقصدنا الروضة الشريفة حيث سلمنا على رسول الله وصاحبيه الكرام أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. بعد أن أخذنا قسطا وافرا من الراحة وتناولنا ما طاب لنا من تمر المدينة الشهير استعدادا لرحلتنا نحو مكة المكرمة. فجأة رن جرس هاتفي معلنا عن مكالمة تلفونية من عصرنا الحالي ليبلغني أحدهم أن الطيار الأردني الأسير لدى حركة داعش قد تم حرقه حيا داخل قفص حديدي وتم بث فيديو الجريمة النكراء على شبكة الانترنت لإظهار وحشيتهم والتباهي بها. اضطررت ساعتها لأن أقطع رحلتي وأُعجّل مع صديقي بالعودة للزمان والمكان الحاليين من أجل مشاركة الشعب الأردني بمصابه العظيم والذهاب لتعزية والديه بفقدان حبيبهم الشهيد الذي قتلته أيادي سوداء وقلوب سوداء ولا يعرف النور لقلوبهم طريقا. وافق رفيقي على مضض، وقال ما جرى قد جرى ولن تفيد عودتك في شيء فأنت رُبّان السفية وقائدها وعلىّ الإذعان لمشيئتك واتباع خُطاك فأنا لا أملك من أمري بدونك شيئا، ولكن كيف استطعت إخفاء هاتفك النقال عني طوال الرحلة؟ وكيف استقبل هاتفك النقال مكالمة من الزمن القادم؟ قُلتُ عليك بالصبر وسأخبرك لاحقا بما لم تُحِط به خُبْرا، وكما قال الشاعر
بالصبر تدرك ما ترجوه من أمل    فاصبر فلا ضيق إلا بعده الفرج
 


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الرئاسة الفلسطينية: إرهاب المستوطنين تصعيد إجرامي خطير يتطلب تدخلا دوليا فوريا

الأردن يشارك في بطولة آسيا للملاكمة 2026

أورنج الأردن ترعى "Robots Line Follower" للحلول الذكية في جامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا

نمو صادرات صناعة عمّان

.د. أحمد حمدان قائما بأعمال رئيس جامعة عمان الأهلية وأ.د. بشار الطراونة نائباً

أ.د. ساري حمدان مستشاراً لجامعة عمان الأهلية بعد انتهاء ولايته الثانية رئيساً

ما رأي طلبة التوجيهي بامتحان الثقافة المالية اليوم

لاعبة المصارعة تالا أبو خيط تحرز ميدالية برونزية ببطولة آسيا

انطلاق سباق تسلق مرتفع الرمان الجمعة

إسرائيل تواصل خروقاتها للاتفاق مع لبنان

ضبط 1212 عبوة زيوت محركات مخالفة .. تحذير للمواطنين

لا تغيير على موعد مباراة المكسيك وإنجلترا

بعد شطب عضوية فنانين .. ردود الفعل تشتعل وبراهمة سيلجأ للقضاء

آلاف المفقودين .. ارتفاع حصيلة ضحايا زلزالي فنزويلا

اقتصاديون: الاقتصاد الوطني قادر على مواصلة النمو والاستقرار

ذهب وملابس داخلية ذهبية تهز العراق .. ماذا يحدث؟

موعد مباراة المغرب وكندا في كأس العالم 2026 .. التوقيت في الدول العربية والقنوات الناقلة والبث المباشر

حادث مأساوي يودي بحياة شاب أردني في الولايات المتحدة

الصحافة الأجنبية تعلق على مباراة الأردن والأرجنتين .. ماذا قالت عن أبو ليلى وهدف ميسي

ماذا حدث لمتّبعي نظام الطيبات؟ أطباء يحسمون الجدل والأرقام تكشف المفاجأة

توقعات الذكاء الاصطناعي لبطل مونديال 2026 .. المرشح الصادم

هبة مجدي تكشف أزمتها الصحية وتخوض رحلة علاجية ضد السرطان

رحيل بطل مسرحية 'شاهد ما شفش حاجة'

أفضل سيارة كهربائية في الأردن 2026 .. مفاجأة صينية تتفوق على المنافسين بالسعر والمواصفات

موعد مباراة مصر وأستراليا في كأس العالم 2026 .. التوقيت والقنوات الناقلة والبث المباشر

توضيح ملابسات حادثة الموظفة التي حاولت اقتحام مكتب وزير السياحة

استقالة خالد البكار .. هل تؤسس أول استقالة بسبب تضارب المصالح لمرحلة جديدة من المساءلة الحكومية؟

السجن خمس سنوات لمحاسب في الجمعية العلمية الملكية بتهمة الاختلاس

سيادة لبنان حاجة سورية إقليمية

غرامات تصل 3000 دينار لمخالفي تعليمات إخفاء السجائر