طالَبان في عربستان

طالَبان في عربستان

27-02-2015 01:46 PM

منذ الاجتياح السوفيتي لأفغانستان في العام 1979 وما تبع ذلك من تسلسل للأحداث الدموية والمقاومة الباسلة والفريدة للشعب الأفغاني بكل ألوانه وأطيافه، برزت الحركة الجهادية التي عرفت لاحقا باسم القاعدة" بقيادة أسامة بن لادن وبدعم مالي ولوجستي ضخم؛ بحشد الصفوف وتدريب الأفغان على القتال إلى أن تم طرد الروس منها بعد الهزيمة المنكرة التي تعرضوا لها والخسائر الفادحة التي وقعت في صفوفهم.

بعد هذه الفترة نشأت حركة طالبان من مجموعة من الطلبة وبقيادة الملا عمر ونذروا أنفسهم لخدمة شعبهم المنكوب من خلال تقديم المساعدات العينية والإنسانية للاجئين على الحدود الأفغانية الباكستانية.

 استغلت حركة طالبان لاحقا الدين ستارا لأعمالها مما شجع الكثيرين على الإنضمام لها طوعا أو كراهية ووصل نفوذ طالبان إلى باكستان أيضا ونشروا فكرهم الجهادي المنحرف ومارسوا كل أنواع القهر على أبناء شعوبهم في كلتا الدولتين.

اتخذت طالبان التفجيرات الانتحارية وسيلة رادعة لكبح جماح أعدائها ودعاة الاعتدال من الرافضين لسلوكهم المتطرف. وبأسلوب همجي أغلقوا مدارس البنات لاعتقادهم بحرمة تدريسهن ووجوب أن يقرن في بيوتهن ومنعوا النساء من ارتياد الأسواق، وفجروا المسارح ودور السينما وحرقوا المتاحف ودمروا تماثيل بوذا الشهيرة التي كانت قابعة هناك منذ آلاف السنين.

كل هذا وأكثر مررت عليه وأنا مصاب بنوع من الصدمة عندما كنت أقرأ كتاب "أنا ملالا" لمؤلفته الفتاة الباكستانية الناشطة ملالا يوسفزاي والحاصلة على جائزة نوبل للسلام في العام 2014. نقلت لنا ملالا تجربة أسرتها في وادي سوات الباكستاني الشهير وكيف تغلغل الفكر الطالباني فيه تدريجيا إلى أن سيطر على معظم مناطق البشتون مستغلين حاجات الناس أثناء الكوارث الطبيعية مثل الزلازل والفيضانات وفي ظل غياب تام للدولة أو جيشها في هذه المنطقة السياحية والاستراتيجية المهمة.

كانت سياسة قطع الرؤوس والاغتيالات هي صفة الطالبانيين حتى وصل بهم الأمر إلى محاولة إغتيال ملالا في عام 2012 وهي طفلة لم تبلغ 14 عاما حينها بثلاث رصاصات أصابت إحداها رأسها مباشرة ولكن المعجزة الإلهية هي التي أنقذتها من الموت المحتّم.

كل ذلك لأنها ناصرت حق الفتيات في التعليم ورفضت أفكارهم وقاومتها من خلال مقابلاتها الصحفية ومدونتها التي كتبتها باسم مستعار مع محطة بي بي سي وبدعم متواصل من والدها الذي كان واحدا من القلائل الذين وقفوا أمام هذا الطغيان الفكري الطالباني وبشجاعة منقطعة النظير.

كانت الصدمة أن ما أراه اليوم من سلوكيات حركة داعش مشابه تماما للفكر الطالباني الذي لا زال مسيطرا على الكثير من تلك البلاد التي ابتليت بهم. كنت أظن أن سياسة قطع الرؤوس ونحر البشر أمر مستجد على الفكر الإنساني لنكون نحن العرب روادا فيه وبكل فخر، لأكتشف أن هذا الأمر قد سبقتنا فيه حركة طالبان منذ عقود فسحبوا من تحت أقدامنا هذا البساط وأصبح دواعشنا مقلدين لا مبدعين.
أرادت حركة طالبان من كل ما فعلته فرض مفهومها المتخلف عن الدين الإسلامي على الناس بالقوة الجبرية حينا وبالقتل أحيانا أخرى وها هي داعش تسلك نفس السلوك وتخطوا خطواتها على نفس الطريق الذي اتبعته حركة طالبان ولكن بطريقة أكثر عصرية وحداثة. فمن قطع الرؤوس إلى الحرق بالنار وانتهاء بما جرى منذ أيام من ذبح لمجموعة من الأقباط المصريين الأبرياء تحت ذرائع ما أنزل الله بها من سلطان. قامت حركة داعش على بقايا فكر طالبان الشاذ وأبدعت فيه مستغلة التقنيات الحديثة جدا في فنون التصوير السينمائي وبدعم مالي أكيد من أطراف لا يهمها سوى ذبح الإسلام وصورته المشرقة.

فعلت داعش ما فعلته طالبان من فرض رؤيتها على الناس في كل من سوريا والعراق وعانى أهل هاتين الدولتين الكثير من أفعالهم وبثوا الرعب في نفوس المخالفين لمذهبهم ونهجهم (إن كان لهم دين) ثم توجهوا بحرابهم وسيوفهم في المراحل اللاحقة لرقاب أهل المذهب السّني في تلك البلاد تحت مسميات وأفكار نتنة وفكرٍ غير سَويّ يدل على انحراف في الطبيعة البشرية نحو السادية والعنف الهمجي. 

ساند العرب حركة طالبان ومن خلفها حركة القاعدة لسنوات طوال فانقلب السحر على الساحر حين دانت لهم الأرض والبشر وجرت الأموال في أيديهم أنهارا فبدلا من أن يوجهوها لخدمة أبناء تلك الشعوب المنكوبة سُخّرت تلك النقود لخدمة مآربهم الخاصة وأفكارهم وبدأوا بنقل تلك الأفكار خارج حدود بلادهم، فوجدوا في بعض بلداننا أرضا خصبة وأناسا جاهزين لتبني ذلك الفكر التكفيري وبدأنا عصرا جديدا من طالبان في عربستان، نموذج لم نشهده أو نقرأ مثيلا له في التاريخ من الوحشية المفرطة والتي أُعطيت غطاء دينيا وتحت راية لا إله إلا الله. انتقل أخيرا هذا الفكر إلى حاضنة أخرى له في ليبيا المنكوبة بنتائج الربيع العربي وليصيبهم ما أصاب إخوانهم في الدول العربية الأخرى، وإذا لم يتم تدارك الوضع في تلك الدولة فسيتفشى فيها الداء وينتشر، وساعتها سيستحيل إزالة هذا الورم الخبيث واستئصاله إلا بعملية جراحية نوعية وسيكون فيها الكثير من الخسائر البشرية والمادية.

طالبان في عربستان؛ حقيقة مؤلمة وامتحان عسير تتعرض له الأمة الإسلامية ومن أجل تخطي تلك العقبة لا بد من تظافر الجهود وتوحيدها من أجل محاربة أصحاب هذه الأفكار الشاذة واستئصال أي بيئة حاضنة لها والبداية تكون في التعليم وإصلاح المناهج.
 



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

مصر تدين الانتهاكات الإسرائيلية في سوريا وتطالب بالانسحاب

فضيحة طيران هزت إسرائيل وأموال إماراتية لمسؤول كبير .. ماذا جرى؟

إصابة 6 فلسطينيين برصاص إسرائيلي واعتداءات مستوطنين

الأمن السيبراني يحسم جدل أجهزة التعداد السكاني .. تفاصيل

مدرب أيرلندا يطالب يويفا بمنع مواجهة إسرائيل

تضارب الأرقام واتهامات التلاعب .. "حرب باردة" بين المزارعين والمعاصر

التأمين في الأردن يتجاوز الحماية التقليدية .. الشركس يكشف التفاصيل

أزمة السكن تدفع إسبانيا نحو انتخابات مبكرة في نوفمبر

أبحاث أدوية التخسيس وهرمونات الشهية تتصدر ترشحيات نوبل للطب 2026

التربية تعلن تحويل مستحقات الثانوية العامة للبنوك اليوم

إسرائيل تشدد حصار غزة بخندق وساتر ترابي

القوات اليمنية تعلن تحرير ذوباب ومواقع استراتيجية قرب باب المندب

الجرائم الإلكترونية تحذر الأردنيين من مكالمات احتيالية لسرقة أموالهم

مذكرة تفاهم بين جامعة عمان الاهلية وسلطة المياه

جامعة عمان الأهلية تحصد المركز الأول محليا في تصنيف التايمز العالمي

وقائع مروعة تهز الأردن .. تفاصيل تقشعر لها الأبدان

متى يصل أول منخفض جوي إلى الأردن؟ أحدث الخرائط تكشف ما ينتظر المملكة

القوات المسلحة تفتح باب الانتساب والشروط للذكور .. رابط

من هو مساعد طيار فلاي دبي؟ القصة الكاملة من حادثة الطعن الى الهبوط

قطع أراضٍ سكنية بانتظار الأردنيين .. من يحق له الاستفادة

السوسنة تتتبع نزاع «بن العميد» في الأردن والكويت .. القصة الكاملة

مقتل الأردني محمد الحشايشة في شيكاغو .. تفاصيل اللحظات الأخيرة داخل متجره

تنكة الزيت قد تتجاوز 100 دينار .. وارتفاع مرتقب لأجور العصر

مزاعم بضرب الأردن من إيران .. وطهران تنفي

بعد اختراق FBI .. الأردن يطيح بعضو بارز في مجموعة قرصنة وابتزاز رقمي

إرادة ملكية وتغييرات إدارية موسعة في التربية والضرائب .. تفاصيل

هآرتس: وثيقة إسرائيلية تصنف مصر والأردن "عدوتان"

حشد 100 ألف جندي .. السعودية تجهز ضربة عسكرية واسعة للحوثيين

بعد اتهام الأردن بالتقصير .. الداخلية توضح أسباب أزمة جسر الملك حسين

طالب يعتدي على معلم بالمنشار بعد ملاحقته إلى المسجد في الزرقاء