الإنسان الذي يقنع نفسه بأنه الزائر العابر وبأنه المسافر المغادر والغريب المغترب في هذه الحياة ، فلن يفاجئه دنو الموت ولا ساعة الرحيل
...
ولكن الذي يمني النفس بالآمال العريضة ، ويغرق في بحار الوهم المتلاطمة ، ويلتهي بالأماني المتجددة ويكرر التسويفات بعد التسويفات ، ويهرول خلف سراب الحياة بلا وعي وبلا تدبر ، فسيأتيه الأجل المحتوم وهو غارق في الشهوات وفي الأهواء ...
وظيفة الإنسان في دنياه ليست عبثية وحددها له خالقه وموحدة ، قال تعالى : ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَـالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ) ( صدق الله العظيم ) .... وتتلخص هذه الوظيفة بعمارة الأرض ، وبتطبيق شرع الله وبإقامة حدوده ... والإنسان العاقل لن ينسى بأنه الغريب المغترب في هذه الحياة ، وبأنه المهدد بالفناء وبالزوال في كل لحظة ... فإذا الهته الشهوات وغرته دنياه الفانية ؛ فهو وفي هذه الحالة خائن لأمانته وعاص„ لربه ، وسيدفع بنفسه الى الذل والهوان والى عذاب الجحيم ( يوم لا ينفع مال ولا بنون ؛ إلا من أتى الله بقلب سليم ) .
راقبوا حياة المغتربين ... إن فسخت عقود بعضهم في بداية الإغتراب فلن يلتفتوا كثيرا لما حصل ، فالآمال في بداية الإغتراب محدودة .... والمفاجئه مرتبطة بضخامة الآمال المعقودة على الإغتراب ، فإن تعاظمت الآمال كانت المفاجئة أقوى وأشد في حالة فسخ العقود ؛ وإن تضاءلت الآمال كانت المفاجئة محدودة ...
وفي العادة : تنحصر الآمال في بدايات الإغتراب بتحصيل البيت الساتر وتحصيل السيارة الصغيرة ... ولكن الآمال تكبر وتتعاظم مع مرور الوقت ومع كل سنة إغتراب جديدة لتصل في نهاية الأمر إلى : ( تشييد الفلل والقصور وبناء وتأجير العمارة ، وانشاء المصالح وتأسيس التجارة ... إلخ ) وعندها ستكون مفاجأة فسخ العقود عظيمة جدا” على المغتربين المغرورين والمخدوعين بحياة الإغتراب ... عندما نسوا أنهم : الغرباء والمغتربون و الطارئون والمغادرون والعايرون ...
الموت يخشاه المنافقون ويثبت أمامه المؤمنون ، ويتجنبه المشركون ويطلبه المجاهدون ، ويفر منه الكافرون ويعشقه المخلثون والصالحون ... لكل ردة فعله اتجاه حقيقة الموت والحياة ، وهي ردة الفعل التي تتناسب مع قناعته ومع فهمه للحقيقين المتلازمتين وهما : الموت والحياة .
إن الموت والحياة حقيقتان متلازمتان ومتعاقبتان ، ولكل بداية نهاية ، فإذا كانت البداية بالحياة فالموت هو النهاية ، ومن عرف حقيقة الموت والحياة : استعد للموت وقابله برجولة وشجاعة وجرأة ؛ ومن غاص في أوحال الدنيا : خشي الموت وتعلق بخيوط الحياة ... قال تعالى : تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير ؛ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ...
يقول الإمام الشافعي :
إني معزيكَ لا أنيِّ على ثقة„ مِنَ الخُلودِ وَلكنْ سُنَّة ُ الدِّينِ .
فما المُعَزِّى بباقٍ بعدَ صاحِبِهِ, ولا المُعَزَّي وإنْ عاشَا إلى حَين .