هل الوقت مناسب للانتفاضة ؟

mainThumb

15-10-2015 11:19 AM

اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثالثة والتي سميت انتفاضة القدس وانطلقت شرارتها من المسجد الأقصى إثر تمادي السلطات الصهيونية الأمنية والعسكرية في فرض حصارها على المسجد في محاولة يائسة لتقسيم الحرم القدسي الشريف زمانيا مثلما فعلت في الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل منذ سنوات، وفيه فرضت أياما للفلسطينيين وأخرى لشذاذ الآفاق الذين قويت شوكتهم بعد حالة التشرذم العربية والوضع المأساوي في سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر.
 
وسواء كانت هذه الشرارة المندلعة نواة لانتفاضة ثالثة أم أنها ردة فعل مؤقتة وسواء تحققت فيها الأهداف الفلسطينية المشروعة أو لم تتحقق فإن هذه الهبّة الجماهيرية والشعبية الفلسطينية قد ذابت فيها كل لعنات التحزب وكوارثها ولم نسمع كلمتي "فتح" أو "حماس" طوال تلك الفترة في ظاهرة واضحة لتعافي الشارع الفلسطيني من هذه الأمراض التي فتكت به منذ العام 2007 وحتى يومنا هذا ودفع ثمنها شعبنا الفلسطيني غاليا وسال الدم الفلسطيني في الطرقات برصاص أولاد العمومة والأشقاء تارة بحجة التنسيق الأمني وتارة بحجة العبث بالاستقرار الأمني.
 
وسط كل هذه الموجة التي هزت الكيان الصهيوني وأربكته وجعلته يعيد حساباته مرة أخرى، وسط كل ذلك تخرج علينا بين الفينة والأخرى بعض الأصوات التي تنادي بأن الوقت لم يئن وأن انتفاضة السكاكين تلك يجب أن تتوقف لأن الوضع العربي مأزوم جدا والنار تشتعل في الوطن العربي ولن يكون بمقدور أشقائنا العرب تقديم العون المادي والمعنوي للشعب الفلسطيني، فالكل مشغول بنفسه وتأمين بلاده وتفادي الوقوع في شرك القضية الفلسطينية المستعصية على الحل منذ العام 1948 وحتى اليوم.
 
وأنا لا أريد أن أوجه أصابع الاتهام لهذه الأصوات الشاذة ولا أن أتهمهم بتثبيط الشعب الثائر في أرضه وسأفترض في بعضهم حسن النوايا وضعف الشخصية، ولكني سأحاول أن أطرح القضية من منظور الثوار أنفسهم أولئك الذين يقدمون أرواحهم رخيصة لأجل الوطن والمقدسات.
 
أولا: وبالعودة للتاريخ نجد أن التوقيت لأي انتفاضة فلسطينية أو ردات فعل لم يكن مناسبا منذ ثورة حائط البراق وانتفاضته المقدسة في العام 1936 وحتى اليوم، وعندها أيها السادة لو كانت كل انتفاضة يقوم بها الشعب الفلسطيني مرهونة بالوضع السياسي العربي لما قامت أي مقاومة للمحتل ولبقي الشعب الفلسطيني في حالة ركود يتجرع السم الزعاف وتهدر كرامته على الأرض وتنتهك مقدساته ولم يفعل شيئا.
 
ثانيا: قام الشعب بثورته في أيامنا هذه مع غياب أي أمل أو ضوء في الأفق لأي بادرة حل سلمي يوقف معاناتهم، وقد يقول البعض أن حكومة نتنياهو هي السبب ونسوا أمرين مهمين، أولهما أن الشرذمة الإسرائيلية هي التي اختارته وجاءت بحزبه لرئاسة الحكومة ولذلك فإن إسرائيل وما يسمى شعبها على ملة واحدة، وثانيهما أن الحكومات الإسرائيلية منذ قيام الكيان الصهيوني وحتى يومنا هذا لم تقدم شيئا للشعب الفلسطيني وجل اهتماهم سرقة الأرض والماء والمقدسات وقتل الفلسطيني العربي الذي أباحه حاخاماتهم دينيا ووفق عقيدتهم المزيفة. ولذلك فإن شباب الانتفاضة وبعد فقدان الأمل وتكرار الانتهاكات للمقدسات قد قرر أن يحمل روحه على كفه ويبادر بالدفاع عن أرضه في صورة مذهلة وفريدة لم تتكرر في تاريخ البشرية الطويل.
ثالثا: لم يدفع أحد الشعب الفلسطيني الثائر نحو تلك الانتفاضة ولم يدفع أحد لهم الأموال الطائلة من أجل أن يفاخر البعض بدعمهم إعلاميا، بل كان قرارا فلسطينيا شعبيا ليس للسلطة الفلسطينية ولا لحماس أي دور فيه، وكان يليق بنا والموقف كذلك أن نبارك خطوتهم المباركة ونشد من عزمهم وندعوا لهم بالثبات والنصر المبين، لا أن نثبط الهمم ونضع العربة أمام الحصان وندعي الخوف على حياة الناس وهم أنفسهم قد تطوعوا في تقديمها رخيصة لقضيتهم المباركة.
 
رابعا:  لقد شكّل الربيع العربي ونتائجه الوخيمة الفرصة المثالية للكيان الصهيوني للاستفراد بالشعب الفلسطيني وسلب بقية حقوقه وخاصة مع وجود التنسيق الأمني المخزي مع السلطة الفلسطينية التي آثرت الخنوع والارتماء بأحضان الكيان الصهيوني وتقديم التنازل تلو التنازل والتباهي بتحقيق الانجازات والانتصارات الوهمية على الكيان الصهيوني مثل رفع العلم الفلسطيني على سارية في الأمم المتحدة وفي نفس الوقت كانت الأرض التي تحت أقدامهم يتم قضمها مترا مترا، بل وقد زادت وتيرة الاستيطان والتوسع بالمستوطنات أكثر من أي وقت مضى قبل الربيع العربي السيء الذكر. في هذه الفترة الزمنية التي امتدت خمس سنوات شعر العدو الصهيوني بالأمن والطمأنينة ولذلك كان لا بد من تعكير صفوه وارباك خططه الشيطانية وتذكيره بأنه محتل غاصب ولا بد من طرده آجلا أم عاجلا وأنه لن يهدأ له بال أبدا ولا ينام له جفن ما دام على هذه الأرض المباركة الطاهرة.
 
ولذلك أيتها الأصوات الناعقة بالخراب والتي تتوارى خلف الجدران أو تتباهى أمام الكاميرات أقول لكم ما قاله رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم :" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت".
 
خاطرة: يغلّفون الباطل بحقٍ ظاهر ويدعون الأمة للصبر والحكمة حتى تنجلي الغُمّة وعندها يخفون وجوههم القبيحة.