هارون الرشيد الخليفة المُفْترى عليه !

هارون الرشيد الخليفة المُفْترى عليه !

27-11-2015 01:47 PM

 لكل عظيم في هذه الدنيا شانئون ومحبُّون ، حتى الأنبياء لهم أعداءُ ولهم أنصار ، فلا عجبَ من هذه الدنيا ، ومن تصرفاتِ أبنائها !

 
شخصيَّةٌ ظلمها البعضُ إما عن جهالةٍ أو عن قصدٍ ، ترجمَ لها المحققون من أهل التاريخ ؛ فأثنوا عليها الثناء العَطِر ومدحوها في مجال  السيف  ومجال  العبادة  حتى طالها الثناءُ – أيضا – في مجال العلم .
 
إنها شخصيَّةُ الخليفة العباسي هارون الرشيد ، أما نسبُهُ فهو :
 
أبو جعفر هارون بن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي العباسي ، فهو سلالةُ حبْر الأمة عبدالله بن عباس – رضي الله عنه –
 
روى العلمَ  الحديث  عن أبيه وجدِّه وعن مبارك بن فضالة .
 
قال الامام الذهبي كما في ترجمته في  السِّيَر  :
 
( وكان من أنبل الخلفاء ، وأحشم الملوك ، ذا حج وجهاد ، وغزو وشجاعة ، ورأي . وأمه أم ولد ، اسمها خيزران ) .
 
فالذهبي – رحمه الله – يجعله صاحبَ  حَجٍّ وجهاد  وأيضا يجعله  ذا حِشْمة  والحشمةُ ومُشتَقَّاتُها اللغوية مأخوذةٌ من  الحياء  و  الخجل  الذي يمنع المرءَ من ارتكاب الكثير من الذنوب والمعاصي كما جاء في الحديث الصحيح : ( لا يأتي الحَيَاءُ إلا بخير ) .
 
كما كان طلَّاباً للعلم وفنونه ، أخبر الذهبي :
 
( ذا فصاحة وعلم وبصر بأعباء الخلافة ، وله نظر جيد في الأدب والفقه ، قد وخطه الشيب ) .
 
( قيل : إنه كان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات ، ويتصدق بألف ، وكان يحب العلماء ، ويعظم حرمات الدين ، ويبغض الجدال والكلام ، ويبكي على نفسه ولهوه وذنوبه ، لا سيما إذا وعظ .) .
 
أما اللهو والذنوب المذكورة ، فهو كأي لهوٍ يصدرُ من إنسان مُعَرَّضٍ للشيطان ودروبه خاصةً أنه خليفةٌ يعيشُ في القصور وقد سبقه من قبله بمراسمَ اعتادوها في قصورهم .
 
أما الصورةُ التي يرسمها الممخرقون عنه أنه كان زيرَ خمرٍ ونساء ! فهذه باطِلةٌ - لا محالةَ - لما تُرْجِمَ له عند المحققين كأمثال : الذهبي وغيره .
 
وهو الذي قام بعزاء عالِمِ المسلمين  عبدالله بن المبارك  قال الذهبي :
 
( ولما بلغه موت ابن المبارك ، حزن عليه ، وجلس للعزاء ، فعزَّاه الأكابر ) .
 
ومن القصص التي تجعلنا نحبُّ هذا الخليفة المفترى عليه ؛ قصَّة يتناقلها علماء السنة - خاصة علماءَ الجرح والتعديل - في الذب عن سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومن هؤلاء العلماء المعاصرين العلامة ربيع بن هادي ، فقد أكثرَ من ذكرها عند ذِكْرِ الخلفاء الغيورين على سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ذكر الذهبي :
 
( وعن خرزاذ العابد قال : حدث أبو معاوية الرشيدَ بحديث  : احتج آدم وموسى فقال رجل شريف : فأين لَقَيَهُ ؟ فغضب الرشيد ! وقال : النِّطْعَ والسيفَ ، زنديقُ ؛ يطعن في الحديث ، فما زال أبو معاوية يسكِّنُه ، ويقول : بادرةٌ منه يا أمير المؤمنين ، حتى سكن ) .
 
هذه الحادثةُ تفرضُ علينا الدفاعَ عن عرضِ هذا الخليفة الراشد كما دافعَ عن سنة المصطفى في وجه ذلك المعترض .
 
وقد كان موتاً على الزنادقة والمنحرفين ممن يحاول إفسادَ الدين ، ذكر الذهبي :
 
( قال عبد الرزاق : كنت مع الفضيل بمكة ، فمر هارون ، فقال الفضيل : الناس يكرهون هذا ، وما في الأرض أعز علي منه ، لو مات لرأيت أمورا عظاما .
يحيى بن أبي طالب : حدثنا عمار بن ليث الواسطي ، سمعت الفضيل بن عياض يقول : ما من نفس تموت أشد علي موتا من أمير المؤمنين هارون ، ولوددت أن الله زاد من عمري في عمره . قال : فكبر ذلك علينا ، فلما مات هارون ، وظهرت الفتن ، وكان من المأمون ما حمل الناس على خلق القرآن ، قلنا : الشيخ كان أعلم بما تكلم ) .
 
فهذه هي مواقفُ العلماء الربانيين كأمثال الفضيل بن عياض من هذا الخليفة المُفْتَرى عليه ! لا مواقف الحاقدين على كُلِّ قامة عظيمة في هذه الأمة .
 
فانظرْ الى قول الفضيل بن عياض :  الناسُ يكرهون هذا  ! فالكرهُ قديم ، ولكن العلماء هم الميزان في الكُرْهِ والبغض ؛ لأنهم أعدلُ الناس وأبصرُ الناس .
 
ولقد طار الحزبيون بالخليفة المعتصم وأكثروا من ترديد  وامعتصماه  وكلُّ هذا الترديد حتى يُثَوِّروا العامةَ والشعوبَ على حُكَّامِهم ، والمعتصم – سامحه الله – هو ابنُ هارون الرشيد وأبوه خيرٌ منه وأعظمٌ نفعا للدين والاسلام بل خاض معركةً أعظمَ من معركة ابنه  فتح عمورية  ، وهذه المعركة التي خلَّدها الشعراء والمؤرخون هي معركة  هِرَقْلة  فقد فعل بالروم الافاعيل ، قال شاعرٌ من أهل  جُدَّة  حضر تلك المعركة :
 
هَوَتْ  هِرَقْلَةُ  لمَّا أنْ رأَتْ عَجَبا
..... حَوَائماً ترتمي بالنِّفْطِ والنَّار
 
كأنَّ نيرانَنا في جنبِ قلعتهم
..... مُصَبَّغَاتٌ على أرْسانِ قَصَّارِ
 
وقد مدحه أشجع بن عمرو السُّلميُّ :
 
مَلِكٌ من مخافةِ الله مُغْضٍ
..... وهو مُغْضى له من الاعظامِ
 
أَلِفَ الحَجَّ والجهادَ فما يَنْ
..... فَكُّ من سَفْرَتين في كلِّ عامِ !
 
فانظر الى قول هذا الشاعر في التدليل على ما ذهبنا اليه من تقسيم عمره بين ( الحج والجهاد ) ، ودِقَّةُ الشاعر تكمنُ في قوله :  أَلِفَ  وهو من الألفة والتَّعَوُّدِ على فعلٍ ما ، كما أخبر الله – عز وجل – عن ألفة قريش لرحلة الشتاء والصيف :
 
( لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ) .
 
والكلامُ يطول في هذا الخليفة البطل الشجاع ذي الحشمة ، وأنهي مقالتي برسالة بعثها هارون الرشيد لزعيم الروم المخادع  نقفور  :
 
( بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبدالله هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم : أما بعد ؛ فقد فهمتُ كتابَكَ ، وجوابُكَ عندي ما تراه عِيانا لا ما تسمعه ) !
 
فكان نقفور كأمسِ المنصرم .


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

استقرار أسعار الذهب في السوق المحلية الأحد

2.13% معدل التضخم في الأردن منذ بداية العام وحتى تموز

ميسي يهدر ركلة جزاء جديدة في خسارة قاسية لميامي بالدوري الأميركي

البلقاء التطبيقية: %72.9 نسبة النجاح في الشامل للدورة الصيفية والأخيرة

توقيع مذكرة تفاهم بين تجارة الأردن واتحاد الغرف الباكستانية

إدارة السير تعزز الانتشار المروري حول مواقع إعلان نتائج الشامل

الضمان الاجتماعي يطلق حملة للتحقق من شمول عاملي شركات الأمن والحماية

مجلس إدارة صندوق حماية البيئة يقر دعم مشاريع بيئية وتنموية

لهاشمية تختتم احتفالاتها بتخريج الفوج الثامن والعشرين

تدهور وانقلاب صهريج محمل بالغاز على الصحراوي

البنك الدولي: مليون مستفيد من الخدمات الصحية الرقمية بالأردن

إنتاج تحتفل بمرور 25 عاماً وتطلق منتدى REACH في العقبة

العراق يسترد 20 مليون دولار و60 كغم ذهب في قضية فساد

الهيئات التدريسية تباشر دوامها استعدادًا للعام الدراسي الجديد

جيش الاحتلال يعلن مقتل قيادي في وحدة بدر جنوب لبنان

منع مواطن من السلام على العيسوي .. وما فعله رئيس الديوان يشعل التفاعل

نتائج التوجيهي 2026 في الأردن اليوم .. رابط الاستعلام الرسمي

بعد تصدر الترند .. رحلة لجين خليفة من الطب الى الرقص

أسعار الذهب ترتفع في الأردن الأربعاء

الحيصة: أراضي مشروع سكة العقبة ستسجل باسم خزينة الدولة

الأمن السيبراني يحذر من رسائل واتساب احتيالية باسم الضمان الاجتماعي

شهادات تناثرت وحفل أُلغي .. ماذا جرى في تخريج كلية عجلون؟ ـ فيديو

جريمة مروعة في الكويت تدور حول أردني وابنه .. ما القصة

في آب اللهاب .. الأردنيون على موعد مع أمطار غير اعتيادية

مقتل مدنيين وعسكرين بهجمات للحوثيين في اليمن

أردني اصطحب والدته لبرنامج زواج دون علمها وما حدث بعدها أشعل الغضب

صدو قوائم تنقلات داخلية لمعلمين ومعلمات .. أسماء

بدأت بأجرة تصليح وانتهت بمنشار كهربائي .. تفاصيل مشاجرة القويسمة

سلاح الجو يفتح باب التجنيد .. التفاصيل والشروط

بعد منتصف الليل انظروا إلى السماء .. مشهد فلكي لافت فوق الأردن