الأردن والتكفيريون بين الأمني والتنموي والسياسي!.

الأردن والتكفيريون بين الأمني والتنموي والسياسي!.

06-10-2007 12:00 AM

ينشط عشرات من أصحاب الفكر التكفيري في ثلاث مناطق رئيسية في المملكة تشكل اجواؤها المحرومة حاضنة اجتماعية, اقتصادية وسياسية لهذه الجماعات التي تكفر الحاكمية لأنها, برأيهم, لا تحكم بما "أنزل الله".

يعمل هؤلاء الشبان الذين لا يتجاوز عددهم, بحسب مصادر رسمية, زهاء 220 شخصا تحت رقابة أمنية مدروسة وفرّت هوامش معقولة من الانكشاف والرصد.

تساهم عوامل بيئية محلية في رفد أتباع هذه الخلايا, غير العنقودية, بإسناد مجتمعي ولو على نطاق ضيق لا يصل الى حد "الظاهرة" في مجتمع اوسع يواجه صراعا بين ثقافتين احداهما حداثية واخرى متزمتة قائمة على نشر افكار تدعم الفوضى والعنف والحقد والكراهية.

مع ان التكفيريين يتشاركون في ارتداء زي السلفيين وغيرهم من أتباع التيار الإسلامي الأوسع الذي يحدّد سقف المطالب السياسية من دون التفكير في إقامة دولة إسلامية أو استلام السلطة, الا انهم يختلفون بالنهج العقائدي إذ يتمسكون بـ "تكفير الحاكمية".

د. خالد البزايعة, أستاذ الثقافة الإسلامية في جامعة الحسين بن طلال في معان والباحث في جرائم الحرب والإرهاب, يقول في مقابلة مع "العرب اليوم" إن هذه الجماعات "تكفّر الأنظمة الحاكمة وما يتبع لها من مدرسين وموظفين وأئمة مساجد ووزراء ونواب لأنهم ينظرون إليهم على أنهم أعوان لتثبيت نظام لا يحكم بما أنزل الله".

من جهتهم, يقول مسؤولون على صلة بالملف التكفيري, الباعث للقلق إن نشاط هذه الجماعات يتركز في ثلاث بؤر "توتر" رئيسية, تشد أجواؤها البائسة كل من تأثر بالسلفية الجهادية والتقليدية وبفكر تنظيم القاعدة والوهابية وبمئات العائدين من "الجهاد" في العراق وأفغانستان.

البؤر تمتد من مدينة معان الفقيرة شبه المعزولة (220 كيلو مترا جنوب عمان) والتي تميل إلى الحديّة في التعاطي مع القضايا الأمنية بعد سلسلة من المواجهات منذ احداث العنف التي اندلعت عام .1989 إذ غالبا ما يتحول فيها المطلوب الى بطل شعبي, في حال المطاردة او الاعتقال, بسبب اجواء الاحتقان السائدة خلال العشرين عاما الماضية كرد فعل على مشاعر واجواء التهميش والتسلط البيروقراطي والاصرار الرسمي على التعامل مع معان من خلال قيادات فردية عشائرية غير شعبية, اغلبها هجر معان. ثم تليها السلط (33 كيلو مترا غرب العاصمة) وهي ذات نسيج ديمغرافي وديني مختلط تأثرت بالمد القومي والنضال الفلسطيني في السبعينيات من القرن الماضي, وصولا إلى قرى في الشمال. وثمة انتشار تكفيري لكن محدود ومراقب داخل محافظة الزرقاء (25 كيلو مترا شرق عمان).

لهذا النهج بصمة مختلفة في معان الصحراوية ذات الطبيعة القاسية - تتميز عن مناطق انتشار أخرى. المصادر الرسمية تقر بوجود ما بين 40-50 من التكفيريين المنتظمين في معان, الرقم الأكبر على مستوى المملكة.

لكن حزبيين ومتابعين في معان وسكان محليين ونشطاء جبهة العمل الإسلامي, الذراع السياسية لحركة الإخوان المسلمين- التي اعتمدت عليها الدولة لستة عقود في محاربة المد الشيوعي والقومي قبل أن تنقلب الآية مؤخرا- يقدّرون عدد التكفيريين الملتزمين علنا في معان بالمئات ما عدا الذين يصنفون في خانة "الأطر الصديقة".

يستغل التكفيريون بصورة عامة حالة التدّين المتجذرة في المجتمع المحافظ, فشل الحكومات في إدارة الكثير من الملفات الخدماتية والتنموية والاقتصادية على مر العقود, وأجواء خيبة ويأس وعزلة تركتها سياسات أمريكا وإسرائيل المناوئة للعرب والمسلمين. الشعور بعدم المساواة, فضلاً عن البطالة الجاثمة وجيوب الفقر والتهميش السياسي والفساد والمحسوبية والجهوية والطبقية المجتمعية تلعب دورا في تحسين بيئة تمدد التكفيريين.

وبحسب نشطاء حزبيين مطلين على تمدد التكفيريين في المملكة, فإن الأجهزة الأمنية ترصد هذه الجماعات.

لا يقلّل أصحاب القرار الأردني من مخاطر تنامي الفكر التكفيري في مجتمع أبوي وتقليدي كالمجتمع الاردني وسط اختلاط مفاهيم وقيم "الجهاد في سبيل الله" و"الارهاب" الذي يستهدف الابرياء.

"لكن الخطر الأول" برأيهم هو ذلك القادم من التيار الإسلامي والذي اشتد مع صعود حليفهم الفلسطيني حماس إلى مقاعد الحكومة عبر انتخابات العام 2005 والانقلاب العسكري في قطاع غزه هذا الصيف.

في الذاكرة القريبة تصريحات صدرت عن بعض قيادات الجبهة التي تهيمن على 17 من اصل 110 مقاعد في مجلس النواب, إذ قالوا بعد اكتساح حماس الانتخابات ان الحركة الاسلامية في الأردن باتت جاهزة لتشكيل الحكومة.

برأي المسؤولين, يسعى التيار المنقسم على نفسه الذي اكتفى حتى الآن بالجانب الدعوي والتوعوي والاجتماعي, للتسلق صوب حلقات صنع القرار بالتزامن مع اسلمة المجتمع.

ويقول احد المسؤولين إن " الإخوان والجبهة هم اليوم بلا شك أكبر تحدّ أمام الدولة الأردنية, يليهم التكفيريون والقاعدة".

فبحسب المسؤول ذاته, تحاول رموز متشددة في التيار ومرتبطة بالخارج الاستقواء على الحكومة وإسقاط التجربة الفلسطينية أو اللبنانية على الساحة الأردنية. الرواية الرسمية تصر على أن حركة حماس اخترقت هرم وقواعد التيار من دون علم قياداته وأخذت تجنّد شبابه. من هنا جاءت سلسلة اعتقالات في صفوفهم بعد التغيّر في موقف السلطة حيال الإخوان المسلمين والجبهة ضمن إستراتيجية أمنية لرفع الغطاء عنهم وكبح نفوذهم السياسي من خلال القانون. بالتوازي, تعكف الأجهزة الأمنية على محاربة الخطر الخارجي الأول القادم من تنظيم القاعدة الأم وتفرعاته الإقليمية ومنها في العراق الذي تحّول إلى "مفرخة" للإرهاب بعد فشل أمريكا عسكرياً وسياسياً.

لكن قيادي الاخوان التقليديين يصرون على انهم المسيطرون على الحركة ومن هنا جاءت الاسماء التي رشحها حزب الجبهة, واغلبها حمائم ووسطيين, لخوض الانتخابات القادمة في عملية عمقت المواجهة مع "الصقور".

يقول مسؤول آخر "إن التكفيريين يختلفون عن تنظيم القاعدة العالمية وحركة الاخوان, الذين هم أيضا جزء من حركة دولية".

فمع أن "للقاعدة تنظيمات عنقودية متعددة لكنّها ترتكز إلى عقيدة مركزية وترتبط بمرجعية يمثّلها المنشق السعودي أسامة بن لادن" المتواري بين أفغانستان وباكستان منذ ست سنوات. في المقابل يرى المسؤول أن مرجعية الإخوان والجبهة أضحت في "قم وغزّة".

أما "التكفيريين في الاردن فلا يوجد لهم مرجعية خارجية تديرهم أو تمولّهم".

لذلك, فبعكس "تنظيم القاعدة وحركة الإخوان والجبهة فإن التكفيريين لا فكر لهم ولا هيكلية تنظيمية واضحة, لا منهجية في العمل, لا منطق ولا مسلكيات حسنة وإلا لكانت هذه العناصر نجحت في إيذاء الدولة" بحسب المسؤول نفسه.

تأثر تكفيريو الأردن إلى حد كبير بفكر الشيخ عصام البرقاوي, الملقب بأبي محمد المقدسي, صاحب موقع الكتروني باسمه ومؤلف عشرات الكتب والرسائل التي تكفّر الأنظمة الإسلامية وتنتقد نهج الإخوان المسلمين في العمل السياسي والعام.

البرقاوي, ما زال في السجن, لكنه يعتبر منظّر الاردني محمد فضل نزال الخلايلة, الملقب بـ "أبي مصعب الزرقاوي", وزعيم تنظيم القاعدة في العراق الذي اغتيل قبل أكثر من عام في عملية سرية. الزرقاوي التقى البرقاوي في السجن منتصف العقد الماضي وتشاركا في خوض تجربة في أفغانستان ضد القوات الروسية أواخر الـ .1980 بدوره أثر الزرقاوي على أبو سياف المعاني خلال وجودهما في السجن.

مسؤول آخر يقول إن التعامل مع "التكفيريين قائم من زوايا عدة و متداخلة بين الأمني والتنموي والفكري والسياسي, تشكل في مجملها أجندة الدولة وأجهزتها المختلفة". يضيف المسؤول "هناك متابعات أمنية لنشاطات التكفيريين, واستدعاءات متكررة واعتقالات... سواء في معان أو غيرها من المدن وبامكاننا ان نجلبهم في ساعات". ويتابع" لكن حل قضيتهم ليس فقط من خلال المنظور الامني".

تأتي في الصدارة محاولات تفريغ محتواهم الفكري وتعريتهم أمام المجتمعات. وهنا يأتي دور الجميع بدءا بالمحافظ, المدرس, موظف الحكومة, الواعظ ومدير الشرطة, وصولا إلى المجتمع المحلي ووجهائه, وأهالي التكفيريين الذين يغطّون عليهم".

التيار الإسلامي ينتقد تصرفات التكفيريين. ويخشى أتباع هذا التيار من أن تساهم سياسة الإقصاء التي تمارس ضدهم في تنامي المد التكفيري, لكن السلطة تعتقد أن الإسلاميين التقليديين يوظفون "بعبع" التكفيريين كـ "فزاعة" لدفع الحكومات لاعادتهم الى حضنها.

المرجعيات السياسية والأمنية والحكومية لديها خطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل لمحاربة المد التكفيري, وهي مهمة صعبة بسبب الأوضاع الاقتصادية الضاغطة وحالة عدم الاستقرار السياسي في الشرق الأوسط.

بعد أن تلتقط الحكومة أنفاسها من إتمام الانتخابات التشريعية في 20 تشرين الأول (نوفمبر) ستجري سلسلة تغييرات لتعزيز هيبة الدولة على مستوى الاردن, بينها إقرار تغيّرات ومناقلات ستشمل أمنيين وإداريين محليين ممن "قد يظهرون مرونة زائدة تجاه التكفيريين على حساب أجندة الدولة وأولوياتها".

وسيتم الحديث إلى وجهاء المجتمعات المحلية لوضع حد لفوضى التكفيريين, لا سيما في معان, بسبب الخصوصية السياسية الامنية لهذه المدينة. ويبقى خيار استخدام القوة مطروحا لكن بعد استنفاد الوسائل كافة.

بالتزامن مع ذلك, ستشرع الاجهزة الحكومية في تنفيذ عدد من المشاريع التنموية بسرعة, اضافة الى إطلاق خطط, يشرف عليها القصر, لبناء مناطق اقتصادية تنموية تزاوج بين الحداثة وتقاليد المجتمعات المحلية على أمل وقف الهجرة المستمرة من المحافظات, التي تعد طاردة لابنائها بسبب تراجع الدخل, والسعي لتحقيق نمو اقتصادي قادر على مكافحة ثالوث الفقر والبطالة والتكفير وتداعياته على الامن المجتمعي والوطني.

تلك المشاريع انطلقت في مدينة العقبة المطلة على البحر الاحمر وإربد ثم المفرق والآن معان, وقريبا في البادية الشرقية بدءا من واحة الأزرق.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد