القشة الثقيلة

القشة الثقيلة

03-04-2026 12:52 AM

في الغالب وفيما نتمنى، سنستطيع أن نتجاوز في إقليمنا هذا، هذه المرحلة المخيفة الشاقة. في الغالب وفيما نتمنى، سيتوقف العدوان الإيراني على دول الخليج والعدوان الأمريكي على إيران ليعود بعض الاستقرار للمنطقة، استقرار سيكون مصحوباً على الأغلب بكثير من الارتباك والحرج بعد أن تغادر أمريكا بأسلحتها وبشرورها وتتركنا في منطقتنا متقابلين؛ دول الخليج غرباً، وإيران شرقاً. فهل فكرت القيادة الإيرانية في طبيعة علاقاتها بجاراتها المحكومة هي بهم وهم بها جغرافياً بعد أن يتوقف كل هذا الجنون؟ هل سنستطيع تجاوز هذه التجربة المريعة سياسياً واجتماعياً؟ هل ستوفي التبريرات و»الاعتذارات» الحالية الإيرانية وتكفي لإعادة بناء علاقات سياسية واجتماعية وبناء الثقة بين شعوب هذه الدول؟ لقد كانت هذه المهمة شاقة جداً سابقاً، استغرقت وقتاً طويلاً في مشيها الزاحف البطيء باتجاه شيء من الاستقرار وبناء بعض علاقات حسن جوار. ما يحدث اليوم سيعيدنا عقوداً إلى الوراء، سيتراجع بالأمن السياسي وبالتوافق الشعوبي إلى نقطة الصفر، لتعود الكراهية والتخوين يحكمان العلاقات الإنسانية حتى بعيداً عن تلك السياسية. للأسف، سيكون تجاوز هذا العدوان العسكري والتعقيد السياسي والبغض المجتمعي عسيراً جداً وبطيء التطور إلى حد خطير.
وإذا ما تمكنا من كل ذلك، لو تمكنا من تجاوز العدوان العسكري والاستخباراتي والخلاف السياسي والبغض المجتمعي بين الشعوب المتجاورة، فهل سنتمكن من تجاوز الشقاق الداخلي الآخذ في التجلي؟ هل سيعود الناس ليثق بعضهم في بعض، وهل ستستطيع المشاعر القومية والوطنية أن تطغى على الخلافات والاختلافات في الرأي والتشكك في النوايا؟ هل سنتمكن من ردم هوة الاختلافات العرقية والأصولية والمذهبية التي كنا نعاني منها مسبقاً أصلاً، والتي اتسعت رقعتها وتعمق قاعها مفسحاً المجال لابتلاع المزيد من العلاقات ومشاعر المحبة والثقة وممارسات الترابط والوصل بين الناس؟
مفزع جداً التفكير في درجة نجاح الخطة الأمريكية الصهيونية، تلك التي بدأت بشن حرب غير مبررة، وباعتراف الكثير من القيادات الأمريكية الرفيعة، على إيران، حرب الغرض منها بلا شك تأمين إسرائيل ومن قبلها تأمين سمعة «كبار» هذا العالم المتورطين في ملف إبستين، لتتطور هذه الحرب حين ردت إيران على أمريكا بالاعتداءات الغاشمة على دول الخليج وبتحريك خلاياها النائمة فيها، لتحارب إيران أمريكا على الأراضي الخليجية حرباً باهظة، قبل أن يكون ثمنها مادياً وسياسياً وعسكرياً، سيكون اجتماعياً وأيديولوجياً، حرباً ستكلف المنطقة ارتباكاً وتوجساً وكراهيات شعبية ستدوم لمدى طويل.
وفي حين أننا نبقي أملاً بأن ربما يصلح الزمن وإلحاح القرب الجغرافي وحقيقة تشارك المساحة المائية ما قد أفسده دهر الحروب وردود الفعل العسكري غير المدروس، وأن ربما تفرض الظروف ومنطق التجاور والمصالح السياسية على دول المنطقة إعادة ترتيب أولوياتها ثم محاولة رأب الصدع وإيجاد طريقة لإبداء حسن جوار، لكن المؤكد أن هذا التوجه يبدو متزايد الصعوبة في الوقت الحالي مع تصعيد الاعتداءات الإيرانية، حيث لن تكمن المشكلة فقط في تهدئة الرأي العام الخليجي وفي توفيق نفوس الشعوب التي لن تنسى لفترة ستطول من الزمن، وأنا أولهم حقيقة، ولكن المشكلة ستتعاظم في الإحراج والتعقيد السياسيين الذين سيواجهان أي محاولة رأب صدع أو تحقيق توافق أو بدء في محادثات. سياسياً واجتماعياً، ستبقى صور التفجيرات الإيرانية والحرائق الناتجة عنها في الذاكرة، وسيستمر رنين صافرات الإنذار عالقاً في الآذان، وستتراكم المخاوف والشكوك في النفوس لتتعاظم حالة انعدام الثقة بين العرب والإيرانيين، انعدام ورثناه جميعنا تاريخياً، وعلقنا به في حاضر يشهد اعتداءات ستكون القشة التي تقصم ظهر الصلح وحسن الجوار.
في اختيارها لرد فعل عسكري تجاه جيرانها، تعدت إيران الخط الأحمر الذي كان الوقوف خلفه يبقي الحوار ممكناً ومطروحاً بينها وبين العرب. لقد وضعت إيران الخيار العسكري ضد جيرانها على الطاولة، وهذا خيار ما إن تضعه فلا يمكنك فعلياً أن تزيله، ستبقى بقعته الداكنة العطنة واضحة على ذات الطاولة التي ينبغي ويأمل الجميع أن ينعقد عليها صلح. وعليه، سيصبح الخيار العسكري دوماً مطروحاً لدى إيران، ودوماً مهدداً لدى العرب. لقد قطعت الحرب طريقها من الضفة الشرقية إلى الغربية، وأوصلت الثقة إلى حضيض لا عودة منه. ففي ذات زمن وفي عارض إصراري على أن إسرائيل هي العدو الأول في المنطقة وهي المسبب الرئيسي لكل الكوارث فيها، كنت أشير دوماً إلى أن إيران، في الزمن الحديث على الأقل، لم تبادر بأي تحرك عسكري «مباشر» تجاه جيرانها، لم تشكل أي خطر استعماري بالمعنى الواضح الصريح تجاههم، لذا لا تستحق لقب العدو الأول في المنطقة الذي يجب أن يكون من حظ إسرائيل وبامتياز. اليوم حتى هذه الحجة انتفت، لتضع إيران قشة قصمت بها أمريكا ظهرها على ظهور دول الخليج، لتقصم بها ظهر التعايش وحسن الجوار. بلعت إيران الطعم الأمريكي، وفتحت جرحاً لن يندمل، ولبست تاج العدو الأول في المنطقة هذه المرة باعتداءات عسكرية مباشرة، وهو تاج لن تستطيع كل الحكمة والتروي والتفكير المنطقي والتفهم السياسي وبعد النظر خلعه عنها.
أفكر بالبعيد لأن القريب مفزع وقاتل للأمل. أتساءل، حين ينتهي كل هذا، ويبقى الأمل الأكبر اليوم أن ينتهي، هل سنستطيع التجاوز؟ هل سنتمكن من المغفرة والنسيان؟ ذاكرة الألم طويلة، وترسبات الخوف عميقة شديدة اللزوجة، فأي فرص قادمة لنا في المنطقة حين يغادر الوحش الأمريكي ونبقى نحن متقابلين «بوز ببوز؟»، سيكون الارتباك سيد الموقف بعد أن يترك الأمريكيون المنطقة في منتصف الطريق على عادتهم، لا هم حققوا هدفهم الذي لا يعرفونه أصلاً، ولا هم حلوا مشكلة هم خلقوها بدءاً. سيغادرون ويبقى المرار، مرار آثار وجودهم السام في المنطقة، ومرار علاقات «حمضت» بين الجيران بعد أن ساد الانفعال ورد الفعل الأرعن، وقوعاً في مخالب الخطة الأمريكية الصهيونية، على المشهد العام.
هذه منطقة سيحكمها الشك وسوء النوايا والتوجس لوقت طويل، وكل هذا سينعكس على الداخل العربي بتطرفات وعنصريات نحن في غنى تام عن التعامل الحالي معها. كل الأطراف محتاجة، بل وملزمة، بتفعيل الكثير من التعقل والحكمة حتى نستطيع تجاوز هذه المحنة بأقل الأثمان، تحديداً بلا ثمن دخلي باهظ لا قدرة لنا على دفعه.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد