القرار التاريخي لتجريم الرق والاستعباد… اعتذار وتعويض

القرار التاريخي لتجريم الرق والاستعباد… اعتذار وتعويض

03-04-2026 12:48 AM

في ظل أزيز الطائرات وهدير المدافع وزنّ المسيرات والأخبار عن الدمار واستهداف الموانئ ومولدات الكهرباء ومحطات الطاقة وتدمير البنى التحتية في اشتباكات تشمل 13 بلدا بعد بدء العدوان الأمروصهيوني على إيران، كان هناك تاريخ جديد يصنع يوم الأربعاء 25 من شهر مارس 2026، عندما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروع قرار تقدمت به المجموعة الافريقية ومجموعة الدول الكاريبية، يدين بشكل قاطع استرقاق الافارقة وتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، باعتبار ذلك «أشد أشكال الظلم اللاإنساني وأطوله أمدا».
ودعا القرار إلى تقديم مساهمات في البرامج المتعلقة بالتعويضات التي يجري إنشاؤها من قِبَل الاتحاد الافريقي ومجموعة دول البحر الكاريبي، وإلى تقديم اعتذار رسمي، واتخاذ تدابير للرد والـتأهيل والتعويض.
وتعترف الجمعية العامة، حسب هذا القرار، بالآثار العميقة والدائمة التي خلفتها نُظم الرق والاستعمار البغيضة، وباستمرار التمييز العنصري وأشكال الاستعمار الجديد في حق الافارقة المنحدرين من أصل افريقي. والأهم من ذلك أن القرار شدد على أهمية معالجة المظالم التاريخية، التي لحقت بالافارقة والمنحدرين من أصل افريقي، على نحو يُعلى من شأن العدالة وحقوق الإنسان والكرامة والتعافي. وتؤكد أن مطالب جبر الأضرار خطوة ملموسة نحو تصحيح المظالم التاريخية. وطالب القرار الدخول في حوار شامل بشأن العدالة التعويضية، التي تشمل تقديم اعتذار كامل ورسمي، واتخاذ تدابير لرد الاعتبار والتعويض والتأهيل والترضية، وتقديم ضمانات بعدم تكرار ما وقع. إذن أهمية القرار تكمن ليس في جانبه المعنوي فحسب، بل وفي الجانب العملي الذي يبدأ بالاعتراف والاعتذار وتقييم الضرر والتعويض.

حكاية القرار حول تجارة الرقيق

في عام 2023، كلّف الاتحاد الافريقي غانا بقيادة النضال من أجل الحصول على التعويضات بسبب جريمة الرق وتجارة الرقيق لصالح افريقيا. ويوم 25 مارس، قدّم الرئيس الحالي لغانا جون ماهاما، قراراً تاريخياً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أعلن فيه أن تجارة الرقيق عبر الأطلسي، التي شهدت نقل ما بين 12 إلى 15 مليون افريقي مستعبَد إلى الأمريكتين ومنطقة البحر الكاريبي في الفترة ما بين عامي 1450 و1888، تُعد «أخطر جريمة ضد الإنسانية». وكانت تقوم بهذه التجارة المشينة حكومات وتجار رقيق وشركات من بريطانيا وفرنسا والبرتغال وإسبانيا وهولندا والدنمارك والسويد، ثم لاحقا الولايات المتحدة. وعند صدور قرارات بتحرير العبيد من العبودية، قامت حكومات هذه الدول بتعويض ملّاك العبيد وليس العبيد أنفسهم. بعد سبع جولات من المفاوضات الشاقة، تم اعتماد القرار بأغلبية 123 صوتاً وعارضته ثلاث دول فقط هي الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين، ذات القيادة المتصهينة حديثا، وامتنعت عن التصويت 52 دولة أكثرها من الدول الأوروبية والدول الجزرية الصغيرة. امتنعت الدول الأوروبية في غالبيتها الساحقة عن التصويت، وهي الأطراف الأكثر إثماً فيما يتعلق بالعبودية عبر الأطلسي والاستعمار، وبالتالي الأكثر تحملاً للمسؤولية عن دفع التعويضات. وقد ذكّر القرار الحكومات الأوروبية، بلهجةٍ ذات مغزى، بالوصف الذي أطلقته هي ذاتها على العبودية خلال «مؤتمر فيينا» عام 1815، إذ نعتتها بأنها «أمرٌ منافٍ لمبادئ الإنسانية والأخلاق الكونية». نظام الاسترقاق استمر لأكثر من 400 عام، وظل يؤثر على العالم لغاية يومنا هذا، حيث ما زال هناك من يدافع عن عن الاختلاف العرقي والأكاذيب القبيحة لتفوق العرق الأبيض، مستغلا سهولة نشر هذه السموم عبر الإنترنت ووسائل الإعلام والمدارس والمنابر الدينية والتعبئة الشوفينية. إن الاسترقاق وتجارة الرقيق من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان في التاريخ وانتهاك صارخ للمبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

المواقف المختلفة من القرار

كيف دافع الأمريكيون والأوروبيون عن مواقفهم؟ ممثل الولايات المتحدة وصف القرار بأنه «إشكالي للغاية من جوانب لا حصر لها». وأكد أن الأمم المتحدة لم تُؤسس لخدمة مصالح ضيقة، أو استحداث أيام دولية متخصصة، أو فرض ولايات مكلفة تتعلق بالاجتماعات وإعداد التقارير، قال: «إن هذا القرار يفعل الأمور الثلاثة جميعها». وعلاوة على ذلك، أكد المندوب الأمريكي أن وفده لا يعترف بالحق القانوني في الحصول على تعويضات عن المظالم التاريخية، التي لم تكن تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي وقت وقوعها، كما يعترض على محاولة القرار «تصنيف الجرائم ضد الإنسانية ضمن أي نوع من التسلسل الهرمي»، بالإضافة إلى ذلك، رفض «الاستغلال الانتهازي للمظالم التاريخية كنقطة ضغط، في محاولة لإعادة توزيع الموارد الحديثة على أفراد ودول لا تربطهم سوى صلة بعيدة بالضحايا التاريخيين».
السفير البريطاني تحدثا باسم مجموعة دول أوروبا الغربية ودول أخرى، وراح يشرح موقف اللاموقف: «لا يسعنا تغيير التاريخ، ولكننا نستطيع، بل يجب علينا، الحديث عنه». إن مواصلة التقدم تقتضي التصدي للعوائق وأوجه عدم المساواة التي لا تزال قائمة حتى اليوم. ودعا ممثل المملكة المتحدة إلى ضرورة التصدي لـ»آفة العبودية الحديثة وما يتصل بها من أشكال الاستغلال، بما في ذلك الاتجار بالبشر، والعمل القسري، والاستغلال الجنسي، والإكراه على ارتكاب الجرائم». واختتم حديثه قائلاً: «إن الحديث عن جرائم الماضي ممكن، لكن جبر الضرر وتعويض الضحايا وذرياتهم لا مكان له عند الدول التي ارتكبت تلك الجرائم». ممثل غانا، صرح، متحدثاً باسم المجموعة الافريقية، أستذكر قرار الدول الأعضاء قبل 20 عاماً بتخصيص يوم 25 مارس يوماً لإحياء الذكرى، ومن ثم جعله مناسبة سنوية. «هذا الاحتفاء يمثل «خطوات صغيرة» تُحدث «دفعاً نحو الأمام وصولاً إلى واقع أفضل. إن القرار، الذي يُعلن أن الاتجار بالأفارقة واستعبادهم يندرجان ضمن أخطر الجرائم ضد الإنسانية – يأتي تتويجاً لأشهر من المشاورات الرامية إلى بناء توافق في الآراء، بما يكفل إرساء النتائج النهائية على ركائز من الحقيقة والتعاطف والضمير الأخلاقي». مندوب كوبا، نيابة عن مجموعة دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، حثّ المجتمع الدولي على الانتقال «من مرحلة إحياء الذكرى إلى مرحلة العمل الفعلي»، في سبيل التصدي للتركات التي خلّفها نظام العبودية. وشدد على ضرورة تفكيك منظومة العنصرية الهيكلية التي لا تزال تلحق الأذى بالأشخاص من ذوي الأصول الافريقية في شتى أنحاء العالم. كما سلّط الضوء على «إعلان وبرنامج عمل ديربان»، الذي يُقرّ بأن العبودية وتجارة الرقيق تُعدان «جريمة ضد الإنسانية».
إنني أشبه هذا القرار التاريخي بقرار 1514 (1960) الذي دعا إلى تصفية الاستعمار ونص على حق الشعوب الواقعة تحت الاستعمنار أن تمارس حقها في تقرير المصير والاستمتاع بالاستقلال والحرية. ذلك القرار الذي فتح الطريق أمام حركات التحرر الوطنية لشن حروب عادلة ضد مستعمريها وصولا إلى الاستقلال. كما يذكرني هذا القرار باعتماد الجمعية العامة عام 1965 «الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري». وأشبه هذا القرار بالقرار 3379 (1975) الذي وصم الصهيونية بأنها حركة عنصرية وشكل من أشكال التمييز العنصري. لقد كان القرار بمثابة شهادة إدانة دولية للصهيونية لما تمثله من عنصرية وفاشية تسمح لمجمعات من كل أنحاء العالم لا يربطها إلا علاقة ثيولوجية ركيكة وغير موحدة أن يتوجهوا إلى بلاد عامرة بسكانها الأصليين لطردهم منها وإقامة كيان بديل مكون من أولئك المهاجرين بحجة التفويض الإلهي. لكن العرب بعد أن تنافروا وذهبت ريحهم وتفرقوا شيعا وأحزابا، لم يستطيعوا أن يحافظوا على قرار إدانة الصهيونية ذلك، فتم إلغاؤه عام 1991. وانظر حال العرب اليوم وما آلت إليه أحوالهم بعد أن وضعوا 99% من الأوراق في أيدي الحليف الأمريكي.
* كاتب من فلسطين
افريقيا
قرار الجمعية العامة
تجريم الرق والاستعباد



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد