نوستالجيا فطوطة - أمينة خيري

نوستالجيا فطوطة - أمينة خيري

07-07-2016 04:36 PM

 انتهى الشهر الفضيل، وانتهت معه حالات الانزواء النهاري والاندماج المسائي مع كل ما له علاقة بالواقع الدرامي الذي بلغ هذا العام أشدّه. وفيما يلملم الشهر الفضيل متعلقاته حتى لا يخلف وراءه فضيلة هنا أو مكرمة هناك، حيث تتناقض روحه تماماً مع كل ما يحيط به وبالمشاهدين العرب من واقع حياتي مقيت، يعرف الجميع إنهم سيخرجون من الدار إلى النار لا محالة، حيث عودة كريهة إلى الأخبار على مدار الساعة، وعاجل بلونه الأحمر المقيت معلناً قصف مدنيين هنا، أو تفجير لانتحاريين هناك، أو تقسيمة خرائطية جديدة لشرق أوسط جديد يعرف الجميع أنه بات واقعاً وشيكاً بغض النظر عن أغنيات العروبة الصادحة في الفواصل وتحليلات الأشاوس المؤكدة للسيادة والمبرهنة على الريادة.

 

 

 

تعود الملايين قسراً إلى واقع غير مختار لم يتغير في رمضان، بل خضع إلى تمويه على مدى ثلاثين يوماً. لم تتوقف أخبار التفجيرات أو تتحسن أجواء التقسيم الطائفي، لكنها دخلت في البيات الرمضاني بناء على اتفاق بين كل الأطراف. المسؤولون عن مئات القنوات التلفزيونية يغرقون المشاهدين في بحور الدراما وغياهب المقالب ومطابخ الحلو والمالح، والمشاهدون يوافقون على الخضوع للإغراق عامدين متعمدين، والقتلة يستمرون في أعمالهم الجنونية، والإدارة الأميركية تعبر عن وجل، والروسية تلوح برد عنيف.
 
 
لكنّ البيات الرمضاني انتهى، وعلى كلّ الفرق العودة إلى الملعب من جديد. سيجلس جانب من المشاهدين أمام شاشات الأخبار منتظرين أحدث تفجير وأجدد حرب بين الدواعش والحشود الشعبية منها والغربية والإيرانية والأميركية والألمانية والبريطانية وما تيسر من جنسيات أخرى تأتي وتذهب في منطقتنا العربية الرشيدة. أما الجانب الآخر فسيكونون هم المقتولون أو المهجرون أو اللاجئون.
 
 
 
يعود المشاهد إذاً إلى تخوفه قائلاً «أستر يا رب». فإن وجد أن القتلى لا يتعدون العشرات، والتفجيرات لم تخرج عن إطار المتوسط، وبان كي مون لم يقلق فإن اليوم يبدأ بداية موفقة. أما إن كان القتل بالمئات والتفجيرات على قدم وساق وبان كي مون قلقان، فإن اليوم لا يبشر بالخير.
 
 
 
وبعيداً عن المسلسلات الدرامية وبرامج المقالب، ظهر جلياً هذا العام أن النوستالجيا الرمضانية الجماعية التي باتت تجتاح المشاهد العربي بصفة سنوية في مثل هذا الوقت لم تعد تقف عند حدود لمة العائلة على مائدة الإفطار زمان أو فوانيس رمضان، بل أصبحت النوستالجيا ذات طابع اجتماعي وأمني. الاجتماعي ظهر جلياً من خلال كم هائل من برامج تتغنى على أطلال زمن سادت فيه أخلاق الدين السمحة قبل أن تهبط على رؤوس البلاد آفات العولمة والحداثة والعنكبوت. وظهر أيضاً في تعلق كثيرين بتلابيب مسلسل «غراند أوتيل» معتبرين إياه مرثية على زمن اللياقة والذوق. وأما النوستالجيا الأمنية الرمضانية فـ «ميني داعش» كفيلة بها. لقد تحولت مصيبة العرب إلى برنامج مقالب وفوازير شأنه شأن نيللي وفطوطة وشريهان.
 


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد