البِيرُوقْرَاطِيَّةُ فِي الإِدَارَةِ

 البِيرُوقْرَاطِيَّةُ فِي الإِدَارَةِ

29-10-2016 10:45 AM

تُعْتَبَرُ البِيرُوقْرَاطِيَّةَ مِنْ نَمَاذِجِ الإِدَارَةِ العَرِيقَةِ الَّتِي عٌرَفَتْ مُنْذُ قَرْنٍ مِنْ الزَّمَنِ عَلَى أَقَلَّ تقديرحيث صَاغت وَقْتَذَاكَ قَوَالِبُ ثَابِتَةٌ اُعْتُبِرَتْ الأَصلح فِي تَصْرِيفِ الأَعْمَالِ وَرُبَّمَا كَانَتْ فِي حِينِهِ تُمَثِّلُ نَهْجًا إِدَارِيًّا يَسْتَحِقُّ الاِتِّبَاعَ لَا سِيَّمَا فِي المُؤَسَّسَاتِ الضَّخْمَةِ الَّتِي تَضُمُّ أَعْدَادًا كَبِيرَةً مِنْ العَامِلِينَ وَمُسَمَّيَاتٍ وَظِيفِيَّةً عَدِيدَةً لَكِنَّهَا اليَوْمَ أَضحَتْ فِي أَذْهَانِنَا تَرْتَبِطُ بِالتَّعْقِيدَاتِ المَكْتَبِيَّةِ وَكَثْرَةٍ الأَوْرَاقُ وَالطَّوَابِيرُ وَصَارَتْ تُوصَمُ بِأَنَّهَا مُرَادِفُ التَّعْقِيدِ لَا أَكْثَرُ.
 
أَبْسَطُ تَعْرِيفٍ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الإِدَارَةِ هُوَ "تَطْبِيقُ اللَّوَائِحِ وَالقَوَانِينِ بِالقُوَّةِ فِي المُجْتَمَعَاتِ المُنَظَّمَةِ وَتَعْتَمِدُ عَلَى الاِجْرَاءَاتِ المُوَحَّدَةُ وَتَوْزِيعُ المَسْؤُولِيَّاتِ بِطَرِيقَةٍ هرمِيَّةٍ" أَمَّا إِذَا نَزَعْنَا إِلَى التبسيط أكثر فَهِيَ "سُلْطَةُ المَكْتَبِ".    
 
عَلَى الرَغْمِ مِنْ ظُهُورِ أَشْكَالٍ جَدِيدَةٍ لِلإِدَارَةِ في وقت لاحق أَكْثَرَ تَطَوُّرًا وَأسرع ِإنْجَازًا وَتَحْقِيقًا لِلغَايَاتِ آلَّا أَنَّهُ كَمَا هُوَ الحَالُ فِي جَمِيعِ مَفَاصِلِ الحَيَاةِ لدينا فَالتَّغْيِيرِ دونه خرط القتاد بَلْ رُبَّمَا تَنْعَكِسُ بِنَا الحَالَ لِنَكْرُرْ أَنْفُسَنَا وَتَجَارِبَنَا آملين أَنْ نُصَادِفَ نَتَائِجَ مُغَايِرَةً.
 
يٌقال أَنَّ قَائِدًا عَسْكَرِيًّا زَارَ مُعَسْكَرًا فَوَجْدُهُمْ يَقُومُونَ بِبِنَاءٍ جَدِيدٍ فَأَقْترح أَنْ يَقُومَ أَحَدَ الجُنُودِ بِالوُقُوفِ عِنْدَهِ حَتَّى يَجِفُّ لِيَعُودَ القَائِدُ بَعْدَ أَعْوَامٍ إِلَى المُعَسْكَرِ نفسه وَيَجِدُ جُنْدِيًّا مُسَلَّحًا يَقِفُ إِلَى جَانِبِ البِنَاءِ فَيَسْأَلُ عَنْ الغَرَضِ مِنْ ذَلِكَ فَيُجَابُ بِأَنَهَا "أوَامِرُكَ سَيِّدِي"!.    
     
المُؤَسَّسَاتُ َالَّتِي تَضُمُّ أَعْدَادًا كبيرة مِنْ العَامِلِينَ بِمُسَمَّيَاتٍ وَظِيفِيَّةٍ كَثِيرَةٍ تَلْجَأُ إِلَى اِسْتِخْدَامِ هَذَا النَّهْجِ مِنْ الإِدَارَةِ رغبة في ركوب السهل حيث تَضْمَنُ البيرواقطية تَحْدِيدَ الأَدْوَارِ وَالمَسْئُولِيَّاتِ وَالقِيَامَ بِالوَاجِبَاتِ بِقُوَّةِ القَانُونِ دُونَ هَوَادَةٍ أَوْ مُرُونَةٍ ودون الْتِفَاتُ إِلَى آيَةٌ اِعْتِبَارَاتٌ لَا تَرْتَبِطُ بِأَهْدَافِ المُؤَسَّسَةِ المَعْزُولَةُ تَمَامًا عَنْ حَيَاةٍ وَخُصُوصِيَّاتِ العَامِلِينَ بِهَا.
 
يَجْدُرُ فِي أَيَّةُ مُؤَسَّسَةٌ أَنْ تَسْعَى إِلَى التَّطْوِيرِ بِاِسْتِخْدَامِ أَدَوَاتٍ تَتَّسِمُ بِالمُرُونَةِ وَتَبْسِيطِ الإِجْرَاءَاتِ وَالمُشَارَكَةِ فِي صُنْعِ القَرَارِ لكننا نَجِدُّ غَالِبًا أَنَّ مُعْظَمَ المُؤَسَّسَاتِ مَا زَالَتْ تنزع إلى المُغَالَاةِ فِي تَطْبِيقٍ اللَّوَائِحُ وَالقَوَانِينُ مِنْ خِلَالِ اِتِّبَاعِ سِيَاسَةِ الجُمُودِ والروتين وَتَتْبَعُ سِيَاسَةَ الأَبْوَابِ المُغْلَقَةَ وَهَذَا بُدُورُهُ يَدْفَعُ لِنُمُوِّ جَمَاعَاتٍ وَعَلَاقَاتٍ سِرِّيَّةٍ مُوَازِيَةٍ غَيْرِ رَسْمِيَّةٍ تُؤَثِّرُ سَلْبًا فِي اِتِّخَاذِ القَرَارِ.
 
فِي الوَقْتِ الَّذِي قَدَّمْتَ فِيهِ البِيرُوقْرَاطِيَّةَ نَهْجًا إِدَارِيًّا حَقَّقَ نَجَاحًا فِي وَقْتِهِ فَإِنْ العُيُوبُ طفت سريعا على السَّطْحِ من خلال التَّجْرِبَةِ وَالتَّطْبِيقِ حَيْثُ تبين أن هذا النَّهْجُ فِي الإِدَارَةِ يعاكس تَمَامًا اِلنَّهْجِ الدِّيمُقْرَاطِيِّ فهوَيَتَشبث بِهَرَمِيَّةِ السُّلْطَةِ مِمَّا يُفْضِي إِلَى سُوءِ اِسْتِخْدَامِهَا وَيصر عَلَى تَنْفِيذِ اللَّوَائِحِ ضِمْنَ أُطُرٍ كِتَابِيَّةٍ تُهْدِرُ الكَثِيرَ مِنْ المِسَاحَةِ وَالوَقْتِ وَالمَالِ وَيَتَغَاضَى عَنْ الاِحْتِيَاجَاتِ وَالمَشَاعِرِ الشَّخْصِيَّةِ وَفِي النَّتِيجَةِ فَإِنَّ الاِلْتِزَامُ الصَّارِمُ بِاللَّوَائِحِ يُصْبِحُ هَدَفًا مَقْصُودًا لَذَّاتُهُ فَضْلًا عَنْ أَنَّهُ يَقْتُلُ رُوحَ المُبَادَرَةِ وَالإِبْدَاعِ مِمَّا يُوَدِّي بِرُؤْيَةٍ وَرِسَالَةِ المُؤَسَّسَةِ إِلَى المَجْهُولِ.
 
أتسأل دائماً لِمَ لم يُوجَدُ لدينا نموذج عَرَبِيٌّ أَوْ إِسْلَامِي فِي الإِدَارَةِ كَمَا النموذج اليَابَانِيُّ شَرْقًا آْوِ الأَلْمَانِيَّ غَرْبًا عَلِمَا بِأننَا نَمْتَلِكُ الإِطَارَ الدِّينِيَّ وَالقيمي وَالأَخْلَاقِيُّ الَّذِي يُمَجِّدُ العَمَلَ وَالعُمَّالُ وَيُكَرَّمُ العِلْمُ وَالعُلَمَاءُ وَيُحَثُّ عَلَى الإِجَادَةِ وَالإِتْقَانِ لِبِنَاءِ نَمُوذَجٍ إِدَارِيٍّ رَاقٍ.
 
أَخْشَى اليَوْمَ أَنَّ نَّهْجِنا العَرَبِيِّ فِي الإِدَارَةِ بات يقبع فِي ظل ثَلَاث "عينات"عنجهية وعنصرية وَعَصًا غَلِيظَةٌ مدعوما –طبعا- بشلة المُحِيطَيْنِ مِنْ المُنَافِقِينَ ودفعا لتُهْمَةِ التَّشَدُّدِ نُقُولٌ "إِلَّا مِنْ رَحِمِ رَبِّي".
 


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

صرف راتبين إضافيين سنوياً… خطوة إنقاذ للاقتصاد وإغاثة للمواطن

5 دول عربية ضمن قائمة الأكثر فسادا في العالم

شواغر جديدة للمعلمين .. رابط التقديم

الحكومة: سنسدد مستحقات للجامعات الحكومية بأكثر من 100 مليون دينار

وظائف ومدعوون لامتحانات الكفايات بالحكومة .. التفاصيل

كيف تحمي نفسك من التضليل وسط طوفان الأخبار والمحتوى الرقمي

مذكرة تفاهم بين الإفتاء ومركز فتوى أوزبكستان

صرف الرواتب مبكراً في هذا الموعد .. لدعم الأسر الأردنية قبيل رمضان

وظائف ومدعوون للامتحان التنافسي والمقابلات .. أسماء

بينها عربية .. دول تعلن الخميس غرة شهر رمضان

أول سيارة كهربائية من فيراري بلمسة تصميم آبل

الطوباسي يؤدي اليمين الدستورية عضوا في مجلس النواب خلفا للجراح الاثنين

أسعار الذهب تهوي محليًا .. وعيار 21 دون المائة دينار

الزراعة النيابية تناقش استيراد الحليب المجفف وتصدير الخراف ومشاريع الحراج

التعليم العالي: تحديد دوام الطلبة في رمضان من صلاحيات الجامعات