الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر .. بطل قومي أم خائن

الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر ..  بطل قومي أم خائن

09-06-2026 11:29 PM

في عتمة التقييد التاريخي الذي يسلب السير الغابرة نبضها الحقيقي، تنبعث سيرة محمد بن أبي عامر لا كسطورٍ باردة في مصنف قديم، بل كإعصارٍ عاتٍ مرّ بأرض الأندلس، فغرس في تربتها مجداً تليداً وخراباً وبيلًا في آنٍ واحد. من فيافي الجزيرة الخضراء، حيث تتكسر أمواج المحيط على أطراف الجنوب الأندلسي، خرج الفتى العامري يحدوه -في الظاهر- طلب العلم والاستزادة من معارف العصر، ويممت ركابه شطر قرطبة؛ حلم الطامحين وقبلة المستزيدين. كان والده أبو حفص رجلاً ذاب في محراب الزهد، وعاف بهارج الدنيا، ونأى بنفسه عن مكايد الحكم وسراديب السياسة، مستعيضاً عن فناء القصور ببقاء الورع. غير أن دماء الابن لم تكن تجري في ذاك المجرى الساكن؛ إذ غلبت عليه نفس جامحة تضيق بالزوايا المعتمة، وتتوق إلى منابر السيادة، واشتعلت في جوفه جذوة الطموح التي لا ترحم صاحبها، فأغرته بالصعود إلى قمة الهرم السياسي مهما كلفت الأثمان، وكأنما كان يرى في أفق قرطبة تاجه الموعود.
ابتدر الفتى رحلته في حاضرة العاصمة الأموية بالجلوس في حلقات العلماء، فنهل من معارف الحديث الشريف، وتضلع في علوم الأدب والبيان، وقرأ لغات العصر على جهابذة زمانه؛ فتلقف الفصاحة عن أبي علي القالي البغدادي، واستزاد من روايات أبي بكر بن القوطية، وتلقى مسانيد الحديث عن أبي بكر بن معاوية القرشي، مقتبساً من أنوار علماء المشرق والمغرب. بيد أن المحابر لم تكن غايته القصوى، بل كانت جسره المستور؛ إذ سرعان ما انعطف بذكائه اللامع نحو سلك القضاء، ومن تلك العتبة الوقورة انفتحت له مغاليق القصور الملكية، وبدأت تتشكل ملامح التحول الأكبر في حياته، وفي تاريخ الأندلس قاطبة.
تدرج الطامح الماكر في مناصب الدولة حتى عُهدت إليه الوصاية على أملاك الأمير الصغير هشام المؤيد بالله بن الحكم المستنصر. ولم تكن تلك الرعاية إلا موطئ قدم وثّق به خطوته ليلج مضمار الوزارة الصاخب، فما إن أغمض الخليفة الحكم المستنصر عينيه ورحل عن الدنيا، حتى قبض ابن أبي عامر على زمام الأمور بيمينه، وغدا "الحاجب" والمدبر الأوحد لشؤون الخلافة برمتها. وفي تلك المرحلة، تبدت نزعته الاستبدادية بأجلى صورها؛ إذ حجب الخليفة الصبي عن رعيته، وجعله أسير قصر الزهراء، وانفرد بالسلطان دون شريك.
ولم يتورع الحاجب ابن أبي عامر عن إزاحة كل غريم يلوح في الأفق، فاستخدم حد السيف لإسكات الخصوم، وتصفية كل من توسم فيه خطرًا على مشاريعه السياسية الواسعة، متوسلًا في كل تلك الدسائس بحبال الحظوة والدعم التي نسجها في الخفاء مع "صبح البشكنجية"، أم الخليفة وزوجة المستنصر الراحل، مستغلاً النفوذ النسائي داخل ردهات الحكم لبناء مجده الشخصي على أنقاض شرعية مهتزة.
إن التطلع نحو المعالي، ومنازعة الملوك على تيجانهم، أمر جُبلت عليه النفوس العظيمة، ولا يُلام مرءٌ إن بدت همته ناطحة للسحاب طلباً للزعامة والسلطان؛ غير أن المروءة الإنسانية تفرض على الساعي أن يلج البيوت من أبوابها الشريفة، وأن يصون شرفه في معمعة الصراع، فلا يبتذل نفسه، ولا يسلك الطرق المعتمة، ولا يشتري النفوذ بأرخص الأساليب التي تقوض الشرف السياسي وتكسر مروءة الرجال الذين يصنعون التاريخ بجهدهم الخالص لا بمؤامرات الخدور.
وحين تلتفت عين التاريخ نحو التأسيس الأول لقرطبة، يبرز صقر قريش، عبد الرحمن بن معاوية (الداخل)، الذي وطئت قدماه أرض الأندلس طريداً بلا جند ولا لواء، فما كان معه إلا همته السامقة، وصارمه المصقول، وخادمه الوفي بدر. لم يدخل الأندلس مستتراً بعباءة الخديعة، ولم يتوسل بقلوب النساء ووداد الحظايا ليصنع ملكه، كما فعل ابن أبي عامر في شأنه مع صبح البشكنجية؛ بل واجه الحتوف مواجهة الأبطال، وانتزع المُلك من يد يوسف الفهري بحد الحسام وعزم الرجال، فأقام دولة تفيأ الناس ظلالها قروناً، ومحا دابر الفتن، وأذل أنوف المستكبرين، حتى استقامت له الأندلس على قواعد المجد والشرف الرفيع.
لذا، فإن انتصارات ابن أبي عامر وغزواته في بلاد القوط، والتي يطنب في مدحها بعض المؤرخين من قصار النظر الذين تبهرهم اللوامع العابرة والانتصارات الآنية، لا يمكن بحال من الأحوال أن تُكفّر عن عظيم جريرته، أو تمحو الأثر السيئ لما جنته يداه في بنية الأمة الأندلسية. فكيف يستقيم الثناء، وانقلابه على الشرعية الأموية قد فتح على الأندلس أبواب جهنم؟ إذ مزق وحدة الصف، وأورث البلاد تشتتًا مريعًا قاد مباشرة إلى عصر ملوك الطوائف؛ حيث غدا كل أمير في رقعته ملكاً يُحارب أخاه ويستعين بالعدو عليه. وكانت تلك البداية الفعلية لضياع الفردوس المفقود، وسقوط معاقل الإسلام واحدًا تلو الآخر، لتسيل بعد ذلك بحار من دماء المسلمين الزكية، وتُنتهك الحرمات، ويُساق المستضعفون إلى اعتناق النصرانية قسراً في محاكم التفتيش المظلمة، أو يُلقى بهم مشردين وراء البحار. إن هذه المآسي والآلام التي جرت على الأمة، تقف شاهدًا تاريخيًا ثقيلًا في ميزان خطايا ابن أبي عامر، والله وحده المستعان على ما تؤول إليه عواقب الاستبداد، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.



الباحث في التاريخ الأندلسي


___________


المصادر:-
البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب / الجزء ٢ / ص ٢٥٧ – ٣٠١، الحلة السيراء / الجزء ١ / ص ٢٦٨ – ٢٦٩، المعجب في تلخيص أخبار المغرب / ص ٣١ - ٣٣، تاريخ ابن خلدون / الجزء ٤ / ص ١٨٨، صفة جزيرة الأندلس / ص ٨٠، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب / الجزء ١ / ص ٨٧ – ٩٠، نهاية الأرب في فنون الأدب / الجزء ٢٣ / ص ٤٠٦ - ٤٤٢، المغرب في حلى المغرب / الجزء ١ / ص ٢١٢ - ٢١٣، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب / الجزء ١ / ص ٣٩٨ - ٤٢٦.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

القيادة المركزية الأمريكية: بدأنا شن ضربات دفاعا عن النفس ضد إيران

بلدية الأزرق تدعو للاستفادة من الإعفاءات والخصومات على مستحقات البلدية

اليرموك: مستعدون لاستقطاب المزيد من الطلبة الصينيين لتعلم اللغة العربية

بعد تهديدات ترامب لإيران .. تحركات مكثفة لطائرات وقود أمريكية بأجواء الخليج

طقس العرب: المملكة بمنأى عن الموجات الحارة خلال الأيام المقبلة

انخفاض مؤشر نازداك الأميركي 250 نقطة

الشيباني وسلام يبحثان التصعيد الإسرائيلي جنوب لبنان

البيت الأبيض يبرر أسباب حظر حكم صومالي وإداريين إيرانيين

المنتخب النسوي يتغلب على فلسطين ودياً

الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر .. بطل قومي أم خائن

مشاركات عربية ومحور الفكر العربي .. وأزمة الهُوية من "المنتدى"

أنثروبيك تطرح "فايبل 5" للعامة مع قيود على الاستخدام

دريد لحّام يستعيد ذاكرة سوريا: الفن والحرية بين الديمقراطية والسلطة

اضطراب نظم القلب .. خطر خفي يهدد الحياة

بدعم من منصّة زين للإبداع .. شركة "Avancer ai" توسّع نطاق خدماتها