أشباح في قلب الظلام

أشباح في قلب الظلام

07-05-2017 11:04 AM

الليل ممطر وطويل.. والأخيلة تنتهك شجاعة عبد الجبار وتختبرها بقسوة كلما أرخى الليل ظلاله، سنابك الخيل تخطف انتباهه إلى عمق الدجى المدلهم..لا شيء حاضر في ذهنه إلا أشباح الليل وغيلانه.. يتذكر حكايات جدته المخيفة.. والتي ربطت حياته بالغولة.. وبات كلما حل الظلام ألعوبة للعفاريت وهي تعربد في رأسه المسلوب إلى شيء يتحاشى مواجهته.. والخوف يتدفق من قلبه الواجف إلى عقله المنهك.. يتساءل: 
 
" أدرك أنك موجود وحواسي مشرعة لتفادي ضرباتك المباغتة أيها الظلام".. 
 
الطبيب أكد له ذات يوم قائلاً:
 
الخوف من الظلام رابض في قلبك لأنك لا تريد أن تتغير..
 
- والحل؟
 
- تعامل معه ككائن حي. تفاهما..
 
- هذا وهمٌ يا دكتور.
 
ومضت أعوام وهو على هذه الحال.. إلى أن جاءت تلك الليلة المخيفة؛ فتغير كل شيء في لحظات.. من كان يتخيل أنهما سيتعانقان! 
 
كان عبد الجبار مصاباً بفوبيا العتمة التي لازمته منذ طفولته الكئيبة وجدته تضغط عليه لينام:
 
ً" أنظر هناك!
 
ألا ترى تلك الغولة وهي تطل عليك بعينيهيا المستطيلتين الحمراوين من الكوة المفضية إلى بهيم الليل؟
 
ألا تسمع عويلها المدوي، ولسع نظراتها المبرقة في هذه الليلة الممطرة المعتمة" وظل الخوف يلازم عبد الجبار حتى جاءت اللحظة التي غيرت حياته.
 
ففي منتصف ليلة ممطرة.. استشعر عبد الجبار حركة مريبة في الطابق السفلي من المنزل الذي اكتنفه الظلام، ذلك الخصم الذي جعل يصور لعبد الجواد الغيلان والعفريت حتى داهمه الأرق وأعياه الخوف.. كانت الغابة المجاورة تضج بالوحوش وهي تجأر على متن الرياح المتناوحة.. وتخيل عبد الجبار كيف أن المطر الغزير أخذ ينقر النافذة بمخالبه. والغولة تتنفس فترتجف الأغصان وهي تحتك ببعضها تارة وبجوانب البيت تارة أخرى.. اللحظات تمددت إلى ساعات مفتوحة على كل الاحتمالات.. وفجأة باغت سمعه صرير الباب الخارجي وهو يفتح بحذر" ربما كان ذلك بفعل الرياح المدوية في الخارج!" لكنه أصاخ السمع جيداً قبل أن يتصرف، اقترب من مفتاح المصباح " ما زال التيار الكهربائي مقطوعاً إذن.. يا للكارثة!!"إذْ تيقن أخيراً من حركة متسلل مريبة جمدت أوصاله.. ثمة لص يطوف في أرجاء المنزل باطمئنان.. فهذا صرير باب المطبخ يفتح، ثمة قرقعة أطباق بدا وأنها تُخرج من الثلاجة، وصليل أنصال السكاكين وهي تقلب بيد متربصة في جوارير خزانة المواعين بالمطبخ، شعر لوهلة كأنها تقطع حشاياه وتلجم أنفاسه المكتومة. وها هي خطوات اللص المتسلل الحذرة ترتقي السلم المؤدي إلى طابق النوم.. وكأن اللص في نزهة! ربما تقصّى أمر البيت قبل التسلل إليه! فعلم من الجيران بأن أصحابه خارج البلدة دون أن يعلم بأن الفتى عبد الجبار عاد أدراجه متسللاً إلى البيت لأمر طارئ فيما أجل سفره إلى اليوم التالي، وصار في نيته المبيت وكل الأضواء مشتعلة؛ لكنه استوحش كثيراً حينما فوجئ بانقطاع التيار الكهربائي، ولم يتخيل بأن الظلام سيكون أنيسه في هذه الليلة المخيفة، فيتلمس الأمان وهو في جوفه.. كأنه طفل غرير فقد أمه وهو متكوم مهزوم في ركن الغرفة الكئيبة، وعيناه تتقلبان على إيقاع نبضه المتسارع.. تناسى أن الظلام عدوه اللدود.. يتحاضنان لأول مرة، يتوارى في حجبه كيلا يراه ذلك المتسلل الذي عكس وميضُ البرق ظلَّ مسدس كان مشهراً بيده.. توترت أعصابه، قال في أعماقه المتجمدة:
 
" ليتني كنت أكبر عمراً حتى أتصرف كالرجال، فأنقض على هذا المتسلل الرهيب! ولكن هيهات!".. بتصبب عبد الجبار عرقاً.. تتحشرج أنفاسه من شدة الخوف.. الهاتف النقال في يده غير مشحون.. الظلام يحنو عليه ويخفيه تحت السرير فيجبر على الاستجابة، ثم يضمه إلي صدره.. الأنفاس تتلاحق كلما اقتربت الخطوات المريبة والمصحوبة بأنفاس متحشرجة لذئب بشري طليق.. وفجأة ومضت أضواء سيارة الشرطة من خلال زجاج النافذة وانعكست كسهام النار العشوائية على الجدار الكئيب.. وقد مرت من أمام المنزل وهي تصمّ الآذان بصوتها التحذيري المتقطع فتوقظ الأمان في قلب عبد الجبار المهلوع.. وخاصة أن اللص ارتعدت فرائصه هو الآخر كما يبدو ولاذ بالفرار متعثراً بالأشياء من حوله ليخرج هارباً، والباب الخارجي تصفقه الرياح بشدة.. هذه المرة ظل عبد الجبار مختبئاً في جوف الظلام كأنه في حضن أمه الرءوم.. ولم يصدق كيف يؤانسه عدو الأمس "الظلام"، فيتسلل على أطراف أصابعه حتى صار في الطابق السفلي.. وأغلق النوافذ جيداً، ثم أقفل الباب.. واقترب من الأريكة فنام عليها هانئاً حتى الصباح.. مردداً في أعماقه" الظلام لا يخيف يا جدتي" ثم ضاحكا" سامحك الله.. 


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الجامعة الهاشمية توقيع 10 اتفاقيات لتنفيذ مبادرات تنموية في الزرقاء والمفرق

فيديو .. أمطار طوفانية تتسبب في سيول وانهيارات بإسطنبول

سوريا: اندلاع حريق عقب استهداف خط لنقل الغاز في "جبسة"

بيان من التحالف حول التداعيات العسكرية والأمنية للتصعيد الحوثي ضد الأعيان المدنية

وكالة الطاقة تسرّع ضخ 100 مليون برميل نفط ودائمات ديزل للأسواق

نفاد صواريخ "باتريوت" الاعتراضية في أوكرانيا وأزمة دفاع جوي في كييف

مباحثات بين جامعة اليرموك ونقابة الصحفيين لتطوير التدريب الإعلامي

فيديو .. بضائع عائمة في مضيق هرمز عقب غرق سفينة حاويات .. ما القصة؟

ادعاءات حوثية باستهداف مقر يديره ضباط سعوديون في عدن

منتدى الاستراتيجيات: الاقتصاد الأردني يواصل نموه المقارب لـ 3 بالمئة

مباحثات أردنية قطرية لتعزيز التعاون الأمني وتبادل الخبرات

المدرج الروماني يتأهب لاحتضان ليلة نزالات "DF: UNCAGED"

مباحثات أردنية مع "الفاو" لتطوير النظم الزراعية المستدامة وتعزيز الأمن الغذائي

ارتفاع جديد لأسعار الذهب في السوق المحلية .. وعيار 21 يسجل 84.7

هل يهدد النوم أمام التلفاز والإضاءة الليلية صحة القلب؟ دراسة تجيب

قرار جديد من الضمان بشأن فترات الاشتراك والراتب التقاعدي

الأردنيون على موعد مع رسوم عبور هذا الطريق .. توضيح آلية الدفع

خبير اقتصادي يحذر الأردنيين .. استعدوا لسيناريوهات صعبة

100 شخص يحصلون على الجنسية الأردنية و17 ألف قرار إبعاد .. التفاصيل

عطلة الـ3 أيام لموظفي الحكومة .. ما حقيقة تطبيقها نهاية الشهر

إعفاء السيارات الأميركية يقترب .. هل تنخفض الأسعار وتتغير الخريطة؟

الدجاج الصيني في الأردن .. ما القصة؟

اعتداء جماعي على طفل في إربد .. تفاصيل

المملكة على موعد مع تقلبات جوية .. أمطار وغبار وتغيرات بالحرارة

أمطار رعدية وبرد وعواصف رملية في الأردن

زيادة الـ30 دينارا في الأردن .. هل يحرمك راتبك من الاستفادة؟

تصريح عن تصفيق الأردنيين لصواريخ إيران يشعل ردود الفعل

مقاطعة أربع جهات تأمينية الأحد .. ماذا ينتظر المرضى؟

جملة للفنان زهير النوباني تشعل ردود الفعل .. ماذا قال وكيف رد الأردنيون

الأمانة تزيل عشرات المواقع في عمّان .. ما القصة