كفاكم تشويهاً للتاريخ

mainThumb

11-08-2018 03:40 PM

يطفو على السطح بين الحين وآخر مفكر أو مؤرخ أو باحث في التراث أو أي اسم أطلقه على نفسه ليبدأ في التشكيك في الثوابت الدينية والمسلّمات العقائدية التي أجمع عليها علماء الأمة منذ عصر الخلفاء الراشدين وإلى يومنا الحاضر. هذه الظاهرة القديمة الجديدة برزت على السطح منذ ثلاث سنوات مع أكثر من شخص إلا أنها بدأت تنح
 
الدكتور يوسف زيدان حاصل على شهادة الدكتوراة في الفلسفة الإسلامية عن الفكر الصوفي من جامعة الاسكندرية وهو الذي أنشأ قسم المخطوطات في مكتبة الإسكندرية، وهو أيضا كاتب مقالات دورية في العديد من الصحف العربية، ومؤلف لعدة كتب وروايات شهيرة ولعل رواية "عزازيل" هي أشهر أعماله بالإضافة إلى الكثير من الكتب ومنها "دوامات التدين" و"فقه الثورة" وغيرها الكثير.
 
أثار هذا الكاتب العديد من القضايا "القديمة الجديدة" والتي تعتبر تحريفا للتاريخ العربي وتشويها له مما خلق له الكثير من العداوات في الأوساط الأدبية والسياسية وبين المهتمين بالتاريخ والتراث العربي والإسلامي، ووصل الأمر إلى أنه مُنِع من عقد ندواته في الكثير من البلدان العربية بسبب آرائه الشاذة والمضللة. 
 
ومن تلك القضايا التي طرحها ما يلي:
 
1. حادثة الإسراء والمعراج قد تم تحريفها بالكامل ذلك أن النبي قد أُسري به إلى الجعرّانة (بين مكة والطائف) وليس إلى القدس وأن حادثة المعراج للسماء لا يوجد ما يؤكدها بل وصل الأمر إلى أنه نفاها نفيا قاطعا، ويؤكد أن كل ما دار من قصص عن النبي في رحلة المعراج هي محض خيال.
 
2. أن المسجد الأقصى لم يكن موجودا قبل أن يبنيه عبد الملك بن مروان وإنما هي قصة من تأليف العرب، وعند العودة للعهدة العمرية التي وقّعها سيدنا عمر بن الخطاب نجد أنه لم يأت فيها ذكر القدس الشريف ولا الأقصى بل "مدينة إيلياء" التي بناها الرومان.
 
3. التوراة غير محرفة فالذي كتبها قد اجتهد في كتابتها حسب ما يعلم وما جمعه من أسفار بعد وفاة النبي موسى عليه السلام وأن الذي كتبها شخص اسمه عزرا قبل الميلاد ب500 عام.
 
4. صلاح الدين الأيوبي مجرم كبير ولا يستحق التكريم الذي حصل عليه بأنه محرر الأقصى، لأنه قام بارتكاب جريمة ضد الإنسانية "وفق كلامه" بأن حجز الرجال عن النساء الفاطميين لسنين طويلة حتى ينقطع نسلهم تماما.
 
5. قضية عدم سجود إبليس لآدم وعصيانه أمر رب العالمين
 
وعشرات من شاكلة هذه المواضيع، بعضها يستحق أن يقف عندها الباحث المستنير من أجل أن يوضح مكامن اللبس ومواطن الخلل، والبعض الأخر مثل قضية سجود إبليس لا يستحق الالتفات إليها مطلقا. 
 
لكن عِوضا عن أن يُجابَه هذا الفكر المشوه والملوث بالإسرائيليات فإن زيدان تلقى سيلا عارما من الأوصاف القبيحة والتهم الجاهزة وهذا إن دل فإنه يدل بشكل قاطع على الضعف المطلق للطرف الثاني وخوائه الفكري وسطحيته عوضاً عن الرد المنطقي بالدليل.
 
وأنا أدعو من هذا المنبر المتخصصين فقط في الديانات والتاريخ بأن يتناولوا هذه المواضيع بعيدا عن السطحية والتجريح وحشو الكلام الذي لا طائل منه، ذلك أني قد رأيت العديد من الذين تصدوا لهذه المواضيع بإجابات لا تليق بمستوياتهم العلمية إلا قلة قليلة من العلماء.
 
وأنا هنا لا أدعو إلى الحجر على الأفكار الجديد المستنيرة شريطة ألّا تُزيَف الحقائق وتُغلّف بأحداث تاريخية مشوهة تعتمد على روايات تلمودية وأخرى توراتية ليصل فيها لاستنتاجات أقل ما يقال عنها بأنها استنتاجات مضحكة... وبالتأكيد لا أحد يرغب بتكرار السيناريوهات التاريخية العنيفة في التعامل مع المفكرين وخذ مثالا على ذلك؛ الإمام ابن حنبل الذي تعرض للسجن والتعذيب الشديد أثناء حكم المأمون والمعتصم وذلك بسبب فتنة"خلق القرآن"، ثم بعد إطلاق سراحه لزم بيته مريضاً عليلاً لمدة عشرين عاما حتى مات. الإمام البخاري أيضا طُرد من عدة مدن ومات على أطراف مدينة سمرقند بسبب نفس المحنة، في حين أن الإمام الطبري تعرض لنوع آخر من المحن بسبب رفضه لأفكار الغوغاء من مسألة "الجلوس على العرش"، فحُبس في بيته ومات فيه ودفن فيه لأن العامة رفضوا دفنه خارج بيته.
 
إن الدكتور يوسف زيدان وأمثاله من الباحثين والمفكرين أخذتهم العزة بالإثم فنصّبوا أنفسهم حُكّاما على تاريخنا وثوابتنا الإسلامية وشككوا فيها بشكل مقصود تحقيقا للشهرة وإرضاء لنرجسيتهم من خلال الاعتداء على الثوابت تماما كما فعل غيرهم في العقود الماضية، وهم كُثر ولا شك في ذلك... وكأن تشويه التاريخ الإسلامي أصبح مهنة للباحثين عن الشهرة والمال ولم يتركوا المجال للمخلصين الذين يبحثون عن الحقيقة دون تزوير وتحريف.
 
إنها فرصة ذهبية للرد على الدكتور يوسف "المفكر والمؤرخ" وتفنيد اداعاءاته؛ والذي يبدو أنه يوظفها سياسيا ولأغراض مشبوهة كما يقول البعض، ومن يجد في نفسه القدرة على ذلك فليتفضل للميدان المفتوح، أمّا ترك الأمور على عواهنها سيسبب للجميع الإرباك الفكري والتاريخي ويؤصل فكرة تاريخنا وتراثنا المشوه والمحرف.