العيد المفقود

العيد المفقود

24-05-2020 10:23 AM

قبل أن ياتي العيد بأسابيع، كان أهل الحي جميعا يمتلئون بهجة وحبوراً، في انتظار العيد الذي ينثر الفرحة.. يعطي كلَّ فرد فرحته الخاصة: الصبي والصبية الشاب والشابة، الرجال والنساء حتى الشيوخ الذين خبروا الدنيا وشبعوا من ملذاتها يُفرحهم العيد، ..مجرد كلمة عيد تجعل الفرحة ترفرف في المكان وتطبع قُبلَها السحرية على الخدود، فتتمايل القدود.
الحياة في المضارب والحقول ما هي إلا حاجات بسيطة، تَعظُم قيمتُها إذا جاءت بقالب من البهجة والسرور..
جاء العيد على مضارب تناثرت في تلعة وادعة بعد انتظار حالم، البساطة فيها تغلف كل شيء وفعل، بل تتسرب في الدماء وتصنع القلوب الطيبة والسلوكات البسيطة..
البساطة كانت تسكن دائما في الأطفال والنساء، فما أن يأتي العيد حتى تتعالى أصوات الأطفال بضحكات تملأ التلعة، وتصنع النساء نشوة الفرح طعاماً وحلويات بسيطة من البيئة، لا تكلفَ فيها ولا رياء وتكون لذيذة بشكل أسطوري، لأن من صنعتها نفوس أسطورية في نقائها وودها وحبها ممتلئة بالرضا والغنى..
الرجال لا يعبؤون كثيرا بفرحة العيد لأنهم لا يعيشون تفاصيل صناعتها، وغالبا ما تُقدَّم لهم بهجة العيد معجونةً بجهد النساء والأطفال، لذلك يجيء العيد ويذهب دون أن تفقد قلوبهم شيئا، ولا يحسون بفراغ بعد أن تغادر أعلام موسم العيد التلعة، وتختفي مظاهر الفرحة الجماعية، وتبهت الألوان، وتغيض ضحكات الأطفال، ويعود كلُّ بيت مشغولا بنفسه يصارع الوحدة، وتعود الأعباء مرة أخرى، فتشعر النساء حينها أن العيد خيمة ظللت عليهن ونَعِمنَ بالراحة والهناء تحتها ثم انكشفت عنهن وإذا بهن في العراء تحت الشمس...
من بؤس هذه الشعور النفسي، والنزق الذي يصيب النساء، تخرج الثورة على الواقع، وتنشأ عندهن فكرة مجنونة.. لا تستسلم للواقع، وتتمرد على الصمت والإذعان، تخرج ثورة نسائية، تبحث عن العيد! عن الفرح المفقود، عن ذلك الفتى الجميل ذي المواصفات الخيالية، عن الضحكة الروية التي تطفئ العطش الذي سببه الانهماك في الحياة.. تتحرك جوقة نساء الحي يبحثن عنه في كل المضارب، ويسألن كل الرجال والصبيان، وتدور الجوقة في الحي كسحابة حزن، متمردة على الوحدة والبؤس والروتين.. يغنين بصوت واحد:
"يا بنات العيد.. ماشفتن سعيد
جزمته حمرا.. وسرواله جديد."
تظل السحابة السوداء تدور على البيوت وتسأل بجدية صاخبة عن الفرح الراحل قبل أن يشبعن منه...
الرجال مشدوهون أمام هذه الثورة، التي لا ينفع معها القمع، ولا يمكن تجاهلها، يحاولون ثنيهن بالمزاح ووضع عراقيل بسيطة، لكن الثورة تمضي الى غايتها، تدخل كل البيوت حتى تنتزع من الرجال القبول بالفرح وإضافة وقت آخر للعيد، فيعمد الرجال الى تقديم ذبيحة للنساء لينهين طقسهن الحزين، مقرين بأن الفرح قيمة عظيمة، تسقي الأرواح ماء الحياة فتزهر شجرتها بالأفراح.. وأن الفرح تصنعه الأرواح العظيمة والنفوس المُحِبَة، وتظفر النساء بوقت إظافي ليودعن العيد، ولا ينجحن بمنع فقده، لأن النفوس هي التي تنمي الفرح في داخلها، والعيد يتفقده من قت لآخر ....



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

موعد مباراة المغرب وكندا في كأس العالم 2026 .. التوقيت في الدول العربية والقنوات الناقلة والبث المباشر

ذهب وملابس داخلية ذهبية تهز العراق .. ماذا يحدث؟

حادث مأساوي يودي بحياة شاب أردني في الولايات المتحدة

الصحافة الأجنبية تعلق على مباراة الأردن والأرجنتين .. ماذا قالت عن أبو ليلى وهدف ميسي

ماذا حدث لمتّبعي نظام الطيبات؟ أطباء يحسمون الجدل والأرقام تكشف المفاجأة

توقعات الذكاء الاصطناعي لبطل مونديال 2026 .. المرشح الصادم

هبة مجدي تكشف أزمتها الصحية وتخوض رحلة علاجية ضد السرطان

رحيل بطل مسرحية 'شاهد ما شفش حاجة'

أفضل سيارة كهربائية في الأردن 2026 .. مفاجأة صينية تتفوق على المنافسين بالسعر والمواصفات

موعد مباراة مصر وأستراليا في كأس العالم 2026 .. التوقيت والقنوات الناقلة والبث المباشر

استقالة خالد البكار .. هل تؤسس أول استقالة بسبب تضارب المصالح لمرحلة جديدة من المساءلة الحكومية؟

السجن خمس سنوات لمحاسب في الجمعية العلمية الملكية بتهمة الاختلاس

سيادة لبنان حاجة سورية إقليمية

غرامات تصل 3000 دينار لمخالفي تعليمات إخفاء السجائر

انخفاض الذهب محلياً بالتسعيرة الثانية