الصمت الأدعى

mainThumb

06-08-2022 03:49 PM

تعالت تحذيرات عبر مكبرات المساجد في البلدة معلنة أن عيون الحرس الثوري قد رصدت تحركات مريبة لمناصري الزعيم الراحل " جبّار" الذي أطيح به صباح أمس، بعد أن ثار عليه " متولي"الزعيم الجديد. فبات لزاما على المواطنين الحذر وعدم الخروج من المنازل حتى إشعار آخر.
خيم الصمت على البلدة مع حلول الظلام . أما في قصر الزعيم فقد أضاءت الأنوار الخافتة قاعة اجتماعات واسعة جلس في صدرها "متولي" الزعيم الخالد على كرسي مذهب وقد أحاط به الأعوان . نادى متولي بنبرة يشوبها التوتر والقلق ، " ليحضر المفتي عبد المتولي" . تقدم عبد المتولي بوجل وركع بين يدي الزعيم الخالد ثم سجد مقبلاً الأرض بين قدميه وقال : نعم يا مولاي يا سيدي.
نظر الزعيم الخالد إلى المفتي نظرة خبث وازدراء ثم قال :" خلّصنا من الورطة التي أوقعتنا فيها يا اسود الوجه! كيف تقسم أمام الناس وتؤكد لهم أن جباراً ، الزعيم الهالك ، سيحرق في قبره وان الملائكة ستعذبه بالنار في قبره؟"
ليأذن لي وليّ نعمتي ، أجاب عبد المتولي ، إنّ الحل ابسط مما تتصور، فأنا سأحرق قبره الليلة ، ثم أقول للناس إن الملائكة قد حرقته في الليل، اذهبوا إلى قبره وتأكدوا! فالليلة ممنوع التجول وستكون الفرصة سانحة لتنفيذ ذلك.
قهقه الزعيم الخالد فترددت قعقعة ضحكه في صدور الأعوان فرددوا جميعا صدى ضحكه. وقال السلطان:" لا فض فوك ، حقاً إنك شيخ سلطاني لا يعسر عليك شيء! فلكل أمر لديك مخرج ،ثم أمر: لِيُخلع على الشيخ عمة جديدة وحذاء جديدا وعباءة مطرز عليها الشعار الثوري السلطاني .وليكن ذلك مباشرة بعد تنفيذ شيخنا الجليل المهمة الجليلة ، ولسوف يكون لهذه الخِلَع فضل كبير عليك تحميك من الألسن قبل الأيدي !
فوقف الشيخ هاتفاً :" لبيك يا سلطان الأبوة كلنا نفدي حماك ، لبيك إن نفذ زيت قنديلك جعلنا من دمائنا زيتا له ! والله لو قطعت رأسي لبقي لساني يهتف ويقول متولي، متولي ، متولي.... بالروح بالدم نفديك يا متولي "
نظر القائد إلى متولي نظر ازدراء، وطلب إخلاء القاعة كي ينفرد بمتولي . قال له : ويلك! أتظن أني أصدقك ؟ هل تظن أني غبي إلى درجة أنك ستفديني بروحك ودمك؟ ألم تهتف من قيل بعالي الصوت وقلت بالروح والدم نفديك يا جبّار! أنا أعرف انك مجرد آلة لا همة لديك ولا شرف ، كل ما يهمك هو التبن كي تحشو بطنك وتغذي جسد التراب الذي يلفك! فلا أشعارك ولا مدائحك ولا أهازيجك تنطلي عليّ ، فكم وكم زعيم تفرق عنه المتطفلون لحظة هلاك سلطانه عنه ،فأصبح يقلب كفيه عل ما أنفق عليهم ، فكم حسب سرابهم ماء حتى إذا وقعت الواقعة، لم يجده ماء ، وكم لمع برق الخلّب في آفاق خلت من الصدق والوفاء ! يجب أن لا تنسى نفسك فأنا أعرفك حق المعرفة كما أعرف كل المتزلفين المتسلقين ، غدا عندما يهلك عني سلطانيه فأول من يشتمني أنت! أنت أمامي مجرد ماسح حذاء ، لكنك أمام الناس أنت شيخ جليل مبجل!.على كل حال إليك صرة المال هذه وانصرف ولا تعد إلا بعد تنفيذ المهمة!
علا البشر محيا الشيخ وانفرجت أساريره، فأصبح ضاحك القسمات طلقا كأنه أصيل دمشق في ساعة ائتلاق! ، فتلفع بعباءة سلطانه الهالك متأبطاً شرا وخرج في جوف الليل المقمر الصامت. صمت رهيب يخيم على الدنيا ... وما أن ابتعد عن البلدة حتى ترامى إلى سمعه نباح كلاب مضارب البدو قادما مع الأثير مبدداً السكون من حوله... سار على الطريق الترابية يغذ الخطى نحو مقبرة القرية . وفي السماء كان القمر يرسل أشعته الفضية لتهبط على الأشجار التي تطاولت ظلالها على الأرض.
كان عبد المتولي يقترب من المقبرة وأحلام شتى تراوده : الليلة سيحرق جباراً وبذا يضرب عصفورين بحجر؛ ينتقم من جبار فينال حظاً وافراً ومكانة عليّة لدى ولي النعم ، ويزداد هيبة في عيون القوم بصدق نبوءته. وقطع حبل أفكاره زعيق بوم انطلق فجأة ، وتعالى مع اقتراب عبد الجبار منه ، فامتلأ قلبه تشاؤماً وقال في نفسه " هذا فأل سيء". وما أن دخل المقبرة حتى ولىّ طير البوم بعيداً.
الصمت يخيّم على المكان، وظلال شواهد القبور تنساب ، بفعل ضوء القمر، على الأرض مرجعة صدى صمت القبور من حوله. نظر عبد المتولي إلى القبور من حوله، وقال بزهو وعجب يملآن نفسه: " معظم هؤلاء صدر حكم إعدامهم بفضلي، فالفتاوى التي كنت أصدرها حسب رغبة جبار أتاحت له إعدام الكثيرين منهم .
وضع قدمه على قبر جبار وناداه :" يا جبار: سبحان مغير الأحوال، بالأمس كنت الآمر الناهي ؛ فالدنيا كلها كانت طوع بنانك! ويلك أيها الظالم المستبد يا حبيب الظلام يا عدو الحياة ، كيف تجد نفسك الآن؟ ألست أنت من أمرني بإصدار الفتاوى حسب مصالحك الشخصية؟ ألا تذكر يوم أمرتني بإصدار فتوى تجيز لك الاستعانة بالأجنبي الكافر لحمايتك من المتمردين على ظلمك؟! ألا تذكر الليلة الصاخبة التي أحييتها يلهو ويصخب فيها الزنادقة المر تزقه الذين استقدمتهم لحمايتك؟ الليلة حان الانتقام : لقد دفناك في النهار وها نحن نحرقك في الليل ؛ الليلة هذه لأحرقنك في قبرك، فقد دقت ساعة العمل الثوري ، ساعة الانتقام ولسوف اشهّرن بك ولأفضحكن ولأذيعنّ كل أسرارك ولأشجعنّ الممثلات وبائعات الهوى وسفلة القوم على تأليف الكتب والروايات التي تدور حول فضائحك ، فها هو سلطانك قد هلك عنك ، ودالت دولتك فأصبح مباحا حياضك بلا سياج منيع يحميك ولا هاتف بالدم والروح نفديك يا جبار. فمن هتفوا وبحت حناجرهم بذلك هاهم اليوم يهتفون ويصفقون للقادم الجديد!
صبّ عبد المتولي إناء الوقود الذي تأبطه على تراب القبر ثم أدخل يده في جيبه لإخراج الولاعة ، إلا أن رعشة سرت في أنحاء جسده لأنه شعر أن الأرض تزلزلت من تحت قدميه ، وهدير بحر هائج متلاطم الأمواج يطغى على الكون من حوله.... الصمت تبدد من حوله ... ضجيج وهرج ومرج ، أزيز وهدير طائرات ، بروق تلمع ورعود تقصف .... أخذ عبد المتولي يتأرجح مترنحاَ.... أمسك برأسه بيديه وصرخ ... لا..لا ...لا! بيد أن صوته لم يجاوز شفتيه، فتردد صراخه حبيساً بين جنبات صدره ... ماتت الكلمات على شفتيه حال سماعه صوتاً يناديه صارخاً : صوت أدعى من كل الأصوات، فأي صوت أدعى من نداء الأموات للأموات؟ قال الصمت:" رويدك ! رويدك أيها الظالم! خفق قلبه واضطربت جوانحه واصطكت ركبتاه فزادت نبضات عروقه، وزاغ بصره وارتعدت فرائصه.
الصمت الرهيب يطبق على المكان؛ يطبق على عبد المتولي يكاد يخنقه ، يحاصره من كل مكان، فزلزل زلزالاً شديدا وضاقت عليه الأرض بما رحبت. وفجأة أخذت شواهد القبور تتبخر خيوطاً بيضاء تتصاعد نحو الأعلى شاقة عنان السماء ، تكاثف بخار ودخان هائل في الأعلى مكونا غيمة من نار وغضب كأنها ليل تهاوى كواكبه، حجبت نور القمر، فأظلمت الدنيا من حوله وأصبحت أضيق من سم الخياط. أبرقت وأرعدت وأرسلت الصواعق محرقة وجه الغبراء من حوله، كلما أضاء البرق وضع يديه في إذنيه من الصواعق وإذا أظلم قام مرتجفاً بلا حول ولا قوة. حاول الصراخ فما استطاع، حاول الهرب فتسمرت قدماه في الأرض فمكث واقفاً مشدوها مهطعاً... .
فجأة تبدد الظلام من حوله وإذا القبور قد بعثرت، والهياكل العظمية قد انتصبت، ثم بدأت زحفها من كل حدب وصوب تتقدم نحوه، ضيقت الخناق من حوله ... قال في نفسه " الويل لي أين المفر؟ أصبحت الأرض أضيق من سم الخياط ، ارتعد وارتجف ارتجاف ورقة صفراء عصفت بها رياح الخريف... الهياكل تواصل زحفها البطيء تحاصره من كل حدب وصوب ... تتقدم نحوه بصوت جهوري رزين " الله أكبر ، الله أكبر ، الله اكبر" فتردد صداها في أرجاء الكون من حوله ، وانداح الغبار وتبدد الصمت من حوله.
فرك عينيه محاولاً إقناع نفسه أن ما يراه مجرد أوهام لكن الهياكل اقتربت منه قاب قوسين أو أدنى وأحاطت به إحاطة السوار بالمعصم ... أخذ يرتجف ارتجاف مقرور هدّه البرد... تقدم نحوه هيكل ضخم وقال : " لا تخف .. لا تخف تمالك نفسك كن رابط الجأش ، ولا تطر نفسك شعاعا خوف الهياكل !... فما تراه إلا الصمت الأدعى! ... إنه صمت القبور يدعوك ويأمرك أن تفصح عن سبب سكبك الوقود على قبر ضيفنا الجديد الذي وروي الثرى اليوم!
قال عبد المتولي متلعثماً وبصوت مرتجف قد... قد... قدمت إلى هنا لأحرق هذا الظالم فانتقم منه"
قهقهت الهياكل، ورقصت طرباً،وتمايلت ذات اليمين وذات الشمال ، فتطايرت السلاميات منها كأنها سهام نار من مغنيسيوم مشتعل نحو عينيه فصرخ : لا ...لا....لآ أنا في حلم ... هذا كابوس .... هذا وهم.... هذا خيال.
أجابته الهياكل بصوت واحد جهوري : " ويلك ألم يئن لك أن تدرك أن دائرة الصمت أدعى من كل الأصوات؟ فهي تلفك في دائرة الحقيقة ؛ فأنت اليوم لدينا ضعيف مهين ."
تمالك نفسه وقال بصوت متهدج:" بلى! بلى ، لكني سأحرقكم وأحرقه معكم، فانتم مجرد أوهام. أما سوط الزعيم الخالد فهو الحقيقة , وهاهو سيفه معي، فمن يأكل من صحن الزعيم الخالد يضرب بسيفه! ... فإن لم أحرق جبارا، فسوف يخيب عملي، وأفشل وتذهب ريحي، وأُجَّرد السيف ، فلا يعود لي مكانة عند ولي نعمتي الجديد! صمتكم هذا وحصاركم هذا لا شيء مع ظلم ولي نعمتي !
سأله هيكل عظمي: ألستم في ربيع؟ والربيع يأتي طلقا يختال ضاحكا من الحسن ناطقا بغد مشرق عزيز تحققون فيع العدل و الأماني ! أم أن القمح للزعيم والتبن الطيار لكم؟
أجاب : هذا ربيع الثوار الضاحكة فيه شمس الحرية لهم ، فالنظام الجديد كله سعادة ورفاه ، من صنعنا نحن أبناء الشعب الذي أغضى على الذل سينينا، فثار بركانا ولهبا وقضى على الظلم بل اجتثه اجتثاثا فلم يبق منه شيئا!
أجابت الهياكل ساخرة بصوت جهوري واحد :" كاذب ، كاذب ودجال منافق ! فأنت من فلول العهد السابقّ وأنت وثوارك بعد تمكنكم من رقاب العباد بوعود براّقة ستصبحون طغاة اشد من الطغاة الذين سبقوكم! لكنك بقدومك على قدميك إلى حمانا المنيع حيث العدل المطلق فقد سبق السيف العذل، فاليوم خاب سعيك ولتلقيّن ثبوراً . لماذا لم ترفع صوتك وجبارا حي يرزق عندما كان ذا سلطان قوي وسطوة وكلمة نافذة؟
تأمّلنا يا عبد المتولي، فنحن هياكل الأجساد الترابية التي أصدرت فتاواك الواحدة تلو الأخرى تجيز حرقنا أحياء إرضاءَ لهذا الزعيم الخالد الذي ينام الآن تحت الثرى. قد يبدوا عجيباً أن نمنعك من تنفيذ مهمتك بدفاعنا عنه؛ وقد تطلب منا العون حتى نعذبه معك ، لكن غاب عن عقلك بأننا بشر خلقنا الله ، وان عذاب القبر شأن من شؤون الخالق عز وجل . لكن رغم موتنا فصمتنا الأدعى يحمي كل من حل بساحتنا ، نحن الموتى لا نسمح لأحد من أهل الدنيا أن يظلم أحدا من الموتى، فصمتنا ادعى من كل الأصوات وأما الميت فهو ميت الأحياء: كم من مظلوم في الدنيا دافعت عنه أو دافعتم عنه يا من تدعون الحياة ؟... كم طفل يحرق أما ناظريكم من و لي النعم وأنتم صامتون؟ قل لنا من الميت نحن أم أنتم ؟ كلنا هنا المعتصم : صمتنا الأدعى سيحرقك أنت دفاعا عمن لاذ بحمانا رغم ظلمه لنا! نحن الصمت الأدعى أبلغ من أي بيان بشري ، صمتنا تحول إلى هياكل عظمية تسعى لتحول دون تنفيذ عمل أنت لم تخلق له. نحن بدائرة الصمت نحاصرك نطاردك بسيف الحق والحقيقة لا بسيف من يأكل من صحن السلطان، ولقد علمنا في هذه الدائرة حقيقة الإنسان في الحياة الدَنِية وأدركنا أن الإنسان جبان لا بطبعه بل ينبع جبنه من طين الجسد الذي يسجن روحه و يقمعها ويغلّب شهواته ونزواته على نفسه السامية المطمئنة ، فيرد أسفل سافلين فيصبح ظالما لنفسه وللناس ، يصبح معتدياً غشوماً متمردا على نواميس الله في الخلق مستغلاً رحمة الله وإمهاله له... أنت مثلا أيها المتعالم .. تصلي وتصوم وتسرع إلى الصف الأول وتؤم الناس كثيرا ... لكن انظر إلى حقيقة فعلك : أتظنك مخادعاً الله؟ بل الله خادعك! يسيطر عليك جسدك فتصبح عبدا له ثم عبدا للظالم بعد أن تمكن منك التخاذل وسيطر عليك الجبن، فخنقت صوت الحق في صدرك ، وأطلقت لسانك من عقاله هاتفاً بحياة الظالم الذي يوردك ماء الحياة بذلة، وكلما تعالى هتافك بحياة جلادك اشتدت وطأة قدميه على عنقك، وازدادت لسعات سياطه ضراوة على ظهرك. فأنت يا عبد المتولي ، لطالما أكلت من فتات مائدة هذا الزعيم الخالد وضربتنا بسيفه ، ولطالما طاردتنا مع جلاديه وأصدرت الفتاوى تترى مهدرا دماءنا . واليوم وقد هلك عنه سلطانه وتبخر إخلاصك له وأخذ لسانك يلهج بالدعاء إلى الله أن يديم مائدة الزعيم الخالد الجديد ، عقدت العزم على إثبات حسن نواياك تجاهه وإخلاصك له.... بل نفاقك له!
دب شيء من الشجاعة في نفس عبد المتولي فقال:" لا... لآ ... هذا وهم ، سأحرقه سأعذبه بالنار"
أجابت الهياكل :" الويل لك! ... الويل لك ! كان باستطاعتك القيام بهذا وجبارا حي يرزق دون أن يعلو صوتك بحمده وشكره .. دون فتاوى حسب ما يريد ..فلو صَمتَ لصمت الناس من حولك ... لكنك آثرت الدنيا على الآخرة .... والفناء على البقاء ... لو قلت الحق لسقط القناع عن وجهه لأسقطته الحقيقة ... أما كان الأجدر بك و بالمفتين من أمثالك أن يصمتوا؟ .. فلو كان ذلك لتهاوت أصنام كثيرة لم تكن تحمل طهر الصنم ! ... لكنك لم تعض على ساق الشجرة ، بل انضممت إلى جوقة المنشدين من المفتين الذي مجدوا جبارا وأن الله أعطاه كرامة أن جعل المرتزقة يدافعون عنه !
أطلقتم الأعنّة لألسنتكم بالمديح فازداد وقع السياط واشتد وقع الأقدام على الأعناق .... واليوم تجيء لتعذيب من ماتوا! تتعدى حدود الله من اجل إرضاء ولي نعمتك الجديد يا آكل التبن! لا حبا بسيدك لكن إشباعا لرغبات جسدك الطيني! إن لم تكن قادرا على قول الحق فاصمت، فصمتك رهيب! .. لا تطبل ولا تزمر، لا تجري وراء جوقة الرداحين ولا تركب عربة المصفقين! ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم ... اصمت صمتا رهيباً يزلزل الظالم ! فما يزيده هتافك إلا ظلما : أتظن أن سيدك يصدق شعاراتك وهتافاتك ؟ بالأمس كانت عباءة سلطانك الفاني تحميك واليوم يمتطي صهوتك سيد جديد، فامتطيت أنت صهوة أحلامك لتغرق في بحر الذل والخزي، فأتيت بعد أن عطست بجبار اللجم وغيّبه الثري أتيت تحاسبه !
تسّمر عبد المتولي في مكانه ، أحس أن جسده يموت وأن يده اليمنى قد ثقلت وخارت قواه ... فصمت وصمتت الهياكل من حوله ... الصمت يحاصره . لكنه . مازال يقاوم !... الهياكل تنذره .. ما زال يعاند! .... فخوفه من سلطان الدنيا أدعى من كل خوف!.... دبت رعشة في جسده كله عندما تذكر سيده الجديد فضغطت كتلة الطين على روحه فقال: " الويل لي! هذا محض شرود ذهني! ... كاد أن يشعل الولاعة لولا أنّ كفاً لامعة كاليورانيوم المشتعل صفع وجهه فخر إلى الأرض مجندلاً.... خيم الصمت على المقبرة ... لا حراك ماتت الكلمات مصلوبة في حلقه!
تعالى صوت المؤذن عند الفجر .... خف الناس إلى المسجد لصلاة الفجر ... أعلن في الناس أن رايات الزعيم الخالد قد أحرقت، وان مجموعة من الثوار استولت على قصر الحاكم وقضت على "متولي".
ومع نسمات الفجر العليلة في يوم مشرق عزيز وصل حفار القبور بصحبة نفر ليحفروا قبرا لهالك جديد ... لكنهم تفاجئوا بوجود عبد المتولي طريحا مجندلاُ بين شواهد القبور مشلولاً لا حراك فيه وبجانبه إناء وقود فارغ ورائحة البترول تنبعث من تراب قبر " جبار" .... تقدم احدهم نحو المفتي : هزّهه محاولا رفع رأسه وأسنده إلى صدره وقال:" يا سيدي الشيخ .. يا سيدي الشيخ .. فتح الشيخ عينيه نصف فتحة. قال الرجل: قتل متولي يا سيدي!
رجف عبد المتولي رجفة قوية وصرخ :" أيها الناس .. الصمت ... الصمت." ثم اسلم الروح!