العالم يتأنث

mainThumb

03-10-2022 09:01 AM

أربعة آلاف امرأة قطعن مسافة طويلة من باريس إلى قصر فرساي في الخامس من شهر أكتوبر/تشرين الأول 1789 للمطالبة بالخبز، الملك الذي قام بتجويع الفرنسيين كان هدفه إخماد أي غضب قد ينعكس ضد حكمه، لكن توقعاته كانت خاطئة. الجيش النسائي الجائع المسلّح بالمناجل والمجارف والعصي خلع باب القصر، وجرف الحرس والخدم وأصبح الملك لويس السادس عشر في قبضتهن بعد ساعات قليلة، بحيث غادر قصر فرساي وتوجه معهن إلى باريس، فيما هربت ماري أنطوانيت الشهيرة بقصة «لماذا لا يأكلون البسكويت» مع أطفالها بأعجوبة. هكذا بدأ مخاض الثورة الفرنسية، وليس كما درسناها في الكتب المدرسية مهملة دور النساء في صنع أعظم ثورة شهدتها أوروبا والعالم.
لكن قراءات جديدة أعادت صياغة التاريخ وفق معطياته الخفية، فقيل إن الثورة بدأت في الصالونات الأدبية التي فتحها بعض النساء من الطبقة المخملية، بحيث أنجبت النقاشات الأدبية والفلسفية والفكرية فيها، أفكارا جديدة طامحة للتغيير، ثم حين تفاقم الجوع وضرب الطبقات الشعبية، بحيث عانت النساء بشكل مضاعف في مجتمع ذكوري يفرّغ غضبه أولا في نسائه عندما يصادف كل أنواع الصِعاب.

من هنا رأت النساء أن الانغماس في أي ثورة سيعطيهن فرصة لتغيير واقعهن، ومن بينهن طبعا آن جوزيف تيرين دي ميريكورت، التي خاضت في عالم السياسة بكل قوتها، وهي الأولى ربما، ما حوّلها لملهمة لكثيرات، ولشعراء ورسامين على رأسهم أوجين دي لاكروا، الذي خلّدها في لوحته «الحرية تقود الشعب» راسما انعكاستها كأنثى قائدة حسب منظوره لها.

دون شك نجاح أي ثورة مرتبط بالرغبة في التغيير، رجالا ونساء، ومن غير الممكن أن تنجح إن كان أحد جناحي المجتمع منكسرا. خروج النساء في فرنسا كان مهولا أمام عدد قليل من الرجال قدّر آنذاك بالعُشْر، لكن ذلك كان يعني أن الثورة ما عادت ثورة من أجل الحصول على السلطة، بل كانت ثورة نابعة من بيوت الفرنسيين. كل ثورة لا تشارك فيها المرأة مع قناعة كاملة من الرجال، لن يكتب لها النجاح. وهذا يظهر بشكل واضح في التغيرات الجيدة بعد كل ثورة. بالتأكيد ليست كل ثورة ناجحة، فبعضها يتحوّل لمقبرة تأكل أبناءها الثائرين، ولأننا نتحدث عن نساء ثائرات، ربما وجب التذكير بثورة ملكة تدمر زنوبيا، ضد الإمبراطورية الرومانية ونهايتها المأساوية، فقد كانت رمزا من رموز القوة، رغم ما رُوِي من قصص متناقضة عنها، خاصة ما تعلّق بمقتل زوجها الملك أذينة. لكن زنوبيا كانت ملكة سليلة ملوك، وهذا وَضَعها في مقام ومكانة غير مكانة الثائرات الحقيقيات اللواتي لم تكن لديهن لا سلطة ولا جاه لدعم طموحاتهن. يختلف الأمر تماما حين تنبثق من المجتمعات أو الجماعات البائسة، امرأة تكون سببا صاعقا لتغيير ما هو سائد وقلب العالم رأسا على عقب.

إذ تحضرني روزا باركس السيدة سوداء البشرة، التي رفضت أن تترك مكانها في حافلة نقل لرجل أبيض، بحيث صنعت تاريخ الولايات المتحدة في الأول من ديسمبر/كانون الأول 1955 بهذا التصرف، ولم يعد الوضع بعدها كما كان، فقد تحوّلت باركس إلى أيقونة في الكفاح ضد التمييز العنصري ضد السود وجنسيات أخرى، واعتُبِرت «أم حركة الحقوق المدنية في أمريكا». وإن كانت باركس حالفها الحظ لترى تغير واقع السود وعاشت طويلا حتى رأت ذوي البشرة السوداء يترشحون في انتخابات أمريكية عديدة، إلا أنها توفيت قبل بلوغ أوباما كرسي الحكم بأربع سنوات، وهذا يعني أن أي نضال من أجل التغيير قد يحتاج لصبر طويل يتجاوز أحيانا نصف قرن إن لم يكن أكثر.
إنّ سراً ما، يبقى دفينا حول انفجار ثورات يكون سببها نساء، أو حاجة لاكتمال تلك الثورات، كما في ثورة الجزائر العظيمة التي سجّلت فيها النساء دورا رياديا، ويكفي أن جميلة بوحيرد تحوّلت لرمز ملهم للشعوب العربية، وكل الشعوب التواقة للحرية، فكتب عنها الكثير من القصائد، والنصوص وخلّدها يوسف شاهين في فيلمه الشهير «جميلة»، الذي لم يقنع الجزائريين كثيرا لأنه حسب قولهم كان أقرب للبيئة والقصص المصرية ولا علاقة له بطبيعة الفرد الجزائري وتاريخه، حتى إنه كتب لقب بوحيرد خاطئا، فانتشر الخطأ وأصبحنا في العالم العربي كله نلفظ اسمها «بوحريد»، كما أن الفيلم ركّز على بطلة واحدة، فيما ثورة الجزائر شاركت فيها آلاف الجميلات في عمر الورد، ضحّين جميعهن بالغالي والنفيس من أجل الحرية.
يعيش الرجل على هذه الكوكب بمبدأ أنه خليفة الله على أرضه، ويتصرف وفقه في كل صغيرة وكبيرة تخصه، ولكنه للأسف يهمش المرأة، إلاّ في حالة شعر بأنه بحاجة إليها فيفتح لها بابا صغيرا تظهر منه، لكن تحت رعايته ومراقبته، هي في النهاية – وحسب قناعات قديمة متوارثة ـ ليست أكثر من جزء من ممتلكاته، لهذا ينتظر منها أن تطيعه طاعة عمياء، وأي رفض يعتبره عصيانا يجب أن تعاقب عليه. أليس هذا ما حدث في مجتمعات كثيرة مشبّعة بوهم «الوصية الرّبانية» التي يجب أن ينفذها الرجال لحماية المرأة ليس فقط من نفسها – لأنها غير مؤهّلة لذلك ـ بل من أنفسهم، لأن أي إغواءة منها قد تجعلهم ينزلقون في الخطيئة. المشكلة حين يهبط الظلم كثيفا على هؤلاء الرجال، حين يصبحون في حاجة لدور أكبر من نسائهم، فيبتكرون لغة تبرر لهم كل سلوك تقوم به، فيصبح الأمر مباحا لها أن تنزل للشوارع وتنادي بالحرية، وأن تنتخب، وأن تترشح للانتخابات إن لزم الأمر..
تتسع رقعة حاجات الرجل بعد أن تسهر هذه المرأة على خدمته في البيت، فتطعمه متى جاع، وتهتم بنظافته ونظافة ثيابه وبيته، وتنجب له الأولاد، وترعاهم كما ترعاه، وتعلّمهم أن يحترموه ويخافوا منه لأنه رب البيت، وتجنّدهم منذ طفولتهم ليكونوا نسخة عنه، إن كانوا ذكورا، ونسخة عنها إن كنّ بنات، ولكن عجلة الحياة تذهب بالطقوس المألوفة إلى مضارب بعيدة، وقوانين جديدة، وتشهر سيفها في وجه ذلك «الرّبِّ» الصغير حتى تهزمه، فيستغيث لتخرج أنثاه للعمل، وتعرفون باقي السيناريو الذي يجده البعض ملائما له، والبعض الآخر لا.

في السودان ذاع صيت الطالبة آلاء صالح وانتشرت صورتها في كل العالم بثوبها الأبيض، واعتبرت رمزا للانتفاضة ضد حكم البشير ونهاية عهده. علينا أن نرى الصورة بوضوح، فكلما عادت المرأة إلى حظيرة العبودية تعثّر الرجال في بناء دول، حتى إن كانت السلطة في أيديهم. والتاريخ شاهد على قصور كانت مليئة بـ»الحريم» انتهى مصير ملوكها نهايات مأساوية من داخل تلك القصور وليس من عدو خارجي. نعرف جيدا أن قدرة المرأة على التحمّل كبيرة جدا، لكن هل تعرف الغالبية الساحقة أن القطرة التي تفيض الكأس لا محالة آتية، وأن الغضب كما تقول الناشطة النسوية الأمريكية ذات الأصول العربية ثريا شمالي «ليس عقبة بل هو الطريق الحتمي إلى تحرير جديد، والوسيلة الضرورية أكثر من أي وقت مضى لعكس ترتيب الأشياء»، وهذا ما نراه اليوم في إيران، إلى متى يمكن للمرأة أن تتقبل اعتبارها مجرد كائن يثير الغرائز، وإلى متى ستبقى «خصل الشعر الظاهرة من تحت منديلها» سببا لتعنيفها، أو سجنها، أو حتى قتلها؟ أي عذر هذا الذي يتباهى به المسلمون وهم ينكّلون بنسائهم؟
إنّه اللامنطق، واللاعقل، والإجرام الذي بلغ قمّته، فاحذروا غضب المرأة، لأنها متى ما ثارت لا شيء سيبقى على حاله أبدا. فمنذ الحروب الكبيرة في العالم، التي تبعتها انتفاضات نسائية، وهذا العالم يتأنّث ببطء، لعلّه دورنا أيضا في هذا الشرق الحزين، لعلّه يتأنث هو الآخر، لعلّ حكمة ابن عربي تنقذنا «كل مكان لا يؤنّث لا يعوّل عليه»، لعلّ الحكمة والرؤية الواضحة والحس الإنساني موضعا قلب المرأة وليس الرجل.