أهو تفصيل أم تحريف؟!

mainThumb

06-12-2022 11:07 AM

قل صدق الله، ومن أصدق من الله قيلا ومن أصدق من الله حديثا، يقول تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، ويقول تعالى:﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًاۚ﴾، ويقول تعالى:﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، ويقول تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، ويقول تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾،ويقول تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾، ويقول تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾، ويقول تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، ويقول تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾، ويقول تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، ويقول تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾،ويقول تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾، ويقول تعالى: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.

لا ريبَ، أنَّ الآيات السّابقة واضحة جليّة في أنّ كتابَ الله عزَّ وجلّ مُفَصَّلٌ مُبِين واضح، وبما أنَّه كذلك، هذا يَعني أمرين اثنين، الأوّل هو أنَّ أيّ تفصيل من خارج القرآن الكريم لكلام الله المُفصَّل، أصلا، بما يريده الله، يُعَدّ افتراء على الله وتحريفا للنّص الدّينيّ. والثّانية، أنَّ هذا التّفصيل للمُفصَّل لا يُعد نصّا دينيّا مقدَّسا، فلا يَلزم عنه، مثلا،أمرٌ أو نهيّ أو تشريعٌ بالمفهوم الدّينيّ أو الفقهيّ لأحكام القرآن، وإنّما هو صَنْعة بَشريّة لا علاقة لها بالنّصّ الدّينيّ، بوصفه نصّا مقدسا مُفصَّلا مُلْزِما ومفروضا، ولا بأس أنْ يؤخذ بهذه الصّنعة في النّصح والإرشاد والوعظ والتّنبيه والآداب والتّرغيب والتّرهيب وغير ذلك.

ولتوضيح مسألة التّفصيل والتّحريف، سأضرب مثلا من أقوالنا:
فعندما أقول لشخص ما : "اذهب إلى السّوق وأحضر تفاحا" فالمراد في هذا النّصّ هو إحضار التّفاح من السّوق، بغضّ النّظر عن آلية الذّهاب و وقت الذّهاب ونوع التّفاح، هذا هو المراد، ولكن إذا أردنا أنْ نفصّل ما ليس بمراد وهو من التفصيل حتما، فإننا سنطرح عشرات الأسئلة الّتي تسمح لنا بها العبارة قبل الشّروع بالذّهاب، مِنْ مِثْل، كيف أذهب إلى السوق؟فهل يجوز أنْ أذهب ماشيا أم راكبا؟ وإذا ذهبت راكبا، فهل أركب دابة أم سيّارة أم درّاجة هوائية؟وما هو نوع التّفاح المراد إحضاره؟ هل هو تفاح فرنسيّ أم أمريكيّ أم أردنيّ أم إيطاليّ؟ وما هو لونه، هل هو تفاح أحمر أمْ أخضر أم أصفر أم خمريّ؟ وفي أي الأوقات يُستحب الذّهاب إلى السّوق؟ صباحا أم ضحى أم ظهرا أم مساء؟ أسئلة لا تنتهي، وكلّها تدخل في إطار تفصيل النصّ وبيانه، الّذي هو، أصلا، مفصّلٌو بائن على ما بُنِي عليه النّصّ نفسه دون زيادةٍ أو نقصان.

ولا أستطيع أنْ أفهم هذا التّفصيل للنّصّ السّابق إلا تحريفا وتزويرا لمراد النّصّ، إذْ إنّ تحريف المعنى والمقصد هو نتيجة لتحريف الكَلِم عن مواضعة، وإنْ لم يقع ذلك شكلا ونصّا؛ إلّا أنّه وقع دلالة ومقصدا، ولا أفهم منه إلّا تنفيراللمتلقي من القيام بالمهمة، ولا أفهم منه إلّا الخصومة العلميّة والتّباهي بكثرة المصطلحات والشّروح والقيل والقال، ولا أفهم منه إلا خَلْق هالة مِن القداسة على الشّارح والمُفصِّل والمُفسِّر للنّصّ ليكون ذا سلطة على النّاس.
فلا وجود لطريقة أو منهجيّة أو سلطة خاصة لفهم القرآن والتّوصل لمقاصده ومعانيه ومراده، في حدود ما يريده الله من العبد، فلقد أنزله الله تعالى للنّاس كافّة، بلسان عربي مبين، فالقرآن حجة قائمة ومُعتبرة، فالنّص القرآني قابل للفهم والتّعاطي معه، لأنّه نزلَ ليكون هدى ونورا وموعظة ﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾، وكان يَضْربُ الأمْثالَ لِيزيلَ كلّ غموض وإبهام تجليةً لمقاصده﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، ولقد نَزَلَ لإخراج النّاس من الظّلمات إلى النّور ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، وأنه مُيَسَّر للفهم والتّدبر والعمل به ﴿إِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾. يتجلى لنا من ذلك أنَّ القرآن نَزَلَ باللّغة المستعملة والمتداولة والمألوفة بين النّاس، ففهمُهُ والعملُ بما جاء فيه لا يحتاج إلى طُرُقٍ علميّة واستراتيجيات ومناهج لِفهمه، حيث نَزَلَ بلسان عربي ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾،﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ،عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِين﴾. من هنا، جاء الحَثُّ على تدبر القرآن والوقوف على دلالاته ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾،﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾.

وهكذا، فعندما يقول الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ لا أعتقد أنَّ غسل الوجه غير معروف للكبير والصّغير والجاهل والعالم، وكذلك الوجه، وكذلك السّبب من غسل الوجه، دون السّؤال عن كيفيّة الغسل أو حدود الوجه أو عدد مرّات الغسل، سواء سأل سائل بذلك، أو فرض ذلك، إذْ صنعوا من الطّهارة المُبيَّنة قرآنيّا في كلمات معدودة إلى مصنَّفات ومجلّدات في آلاف الكُتب والصّحائف، بين قول هنا ورأي هناك، بين مبيح ومحرّم ومجوّز وموجب ومكره، وقلْ مثل ذلك في كلّ الأحكام الفقهيّة، والذي يبعث على الاستغراب والدّهشة أنّه لا توجد مسألة مبحوثة متفق عليها إطلاقا، والسّبب باعتقادي، فتح باب الأسئلة اللامتناهي حولها في ما هو غير مراد ولا مطلوب.

فالأمر لا يحتاج إلى مذاهب وأقوال وآراء، وإنْ كان ثمَّة ذلك، وهو كذلك، فهذا ليس له علاقة، إطلاقا، بمراد النّصّ الدّينيّ، أي هو تفسيرات بشريّة غير ملزمة نهائيّا للنّاس، وليس لها علاقة بالدّين لا من قريب ولا من بعيد، الدِّين بوصفه نصّا مقدّسا. وقِسْ على ذلك مئات وآلاف الأقوال والآراء المتعلقة بالمسائل الشّارحة والمبيِّنة للنّصّ الدّينيّ من منطلق مذهبيّ أو طائفيّ، وفي جميع أبواب الفقه، وخاصة في فقه العِبادات، كفقه الطّهارة والصّلاة والزّكاة والصّوم والحج، وكذلك في كثير من مسائل فقه المعاملات، ولا شكّ أنّه علم دقيق ومُمَنهج ودليل على العبقريّة الإسلاميّة في التّأسيس لتنظيم حياة النّاس، وضبط شؤونهم، والقضاء في مسائلهم، إلا أنّه لا يخرج كونه دينا، بل هو اجتهاد بشريّ خالص، وصناعة بشريّة، وقوانين مدنيّة قلَّ نظيرها، لأنّه مؤسَّس على قواعد وأصول قرآنية جليّة. ومِنْ ثمَّ، فهو متغيّر ومتحوّل بتغيّر الزّمان والمكان والظّروف.

وقُلْ مثل ما سلف، كذلك، في مسائل الأصول والعقائد، وهو الأخطر في مبدأ التّفصيل، للأسف؛ إذْ هو السّبب الرّئيس في تمزيق الأمّة الإسلاميّة الواحدة إلى طوائف وفرق وعقائد، فبعد أنْ بيَّن سبحانه وحدانيّته وصفاته وأفعاله في القرآن الكريم، بدأ المتكلمون والعلماء بطرح الأسئلة من منطلق التّبيان والتّفصيل في ماهيّة الصّفات، وعلاقة الصّفات بالذّات، وهل هي ذاته سبحانه أم محدثة، وذهبوا إلى القول بصفات للذّات وصفات للفعل، وخاضوا فيها خوضا لا طائل منه إلا اللّبس على النّاس وتفريقهم؛ فتحولت العقيدة الواحدة الواضحة إلى عقائد سلفيّة وأشعريّة وماتروديّةوإماميّة وزيديّة وإباضيّة.

ومقصدي، بلا شكّ،هو التّفسيرات والتّأويلات للنّص بوصفه لغة، وتفصيله بما تسمح به اللّغة. ولستُ عانيا الجانب التّطبيقيّ للعبادات المنقولة نقلا عمليّا متواترا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، النّقل الجمعيّ للأمّة على اختلاف مذاهبها وطوائفها، دون أدنى شكّ في صدقها.

ولقد ضَرَبَ الله لنا مثلا من بني إسرائيل في قصة البقرة، أجلَ تنبيهنا على خطورة هذا المسلك، وأن لا نسأل، في ما هو واضح بيّن المراد،عن أشياء مما لا فائدة لنا في السؤال والتنقيب عنها، لأنَّها إنْ أظهرت لنا تلك الأمور ربَّما ساءتنا وشُقّ علينافعلها والقيام بها، فلقد أمر الله بني إسرائيل أنْ يذبحوا بقرة بصيغة التنكير،﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، والمعنى أيّ بقرة لا بقرة بعينها، ومهما كان شَكْل تلك البقرةولونها وعمرها وهيئتها تسهيلا عليهم، ولبيان أنّ الغاية ليست ذبح البقرة من حيث هي بقرة، بل هو اختبار لإيمانهم وتصديقهم، فبدأوا بطرح الأسئلة عن صفات البقرة وأحوالها ولونها وغير ذلك، فشدّدوا على أنفسهم, فشدّد الله عليهمجزاء على أسئلتهم التي جاؤوا بها مجادلة وتسلية وربما حرصا.﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.

ولقد خصَّص الإمام المقدسيّ فصلا خاصا عن كراهة كثرة السّؤال في ما لا ينتفع في كتابه "الآداب الشّرعية والمِنح المرعيّة" بعنوان "في كراهة السّؤال عن الغرائب وعمّا لا يُنتفع به ولا يُعْمل به وما لم يكن"، ذاكرا عددا غير قليل من الأحاديث والآثار الدّالة على كراهة كثرة السّؤال والنّهي عنه وبيان مخاطره. نذكر منها:

ورد في الصّحيحين عن المغيرة بن شعبه مرفوعا، كان ينهى عن "قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السّؤال"، وفي لفظ "إنَّ الله كَرِه لكم ذلك" متفق عليه. وفي الصّحيحين أيضا، عن سعد قال: "أعظم المسلمين جرما مَنْ سأل عن شيء لم يُحرَّم فحُرِّم من أجل مسألته". وعن ابن عمر قال: "لا تسألوا عمّا لم يكن فإنّي سمعت عمر ينهى أنْ يُسأل عما لم يكن". وعن ابن عباس قال: "ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب محمد رسول الله عليه الصّلاة والسّلام، ما سألوا إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قُبِض، كلّهن في القرآن وما كانوا يسألون إلا عمّا ينفعهم". وعن جابر قال: "ما أنزل البلاء إلا بكثرة السؤال".