من دربند إلى استوكهولم: خط التحول المنتظر

من دربند إلى استوكهولم: خط التحول المنتظر

05-07-2023 12:45 PM

صباح عيد الأضحى، أقامت الشرطة السويدية خطاً أمنياً أمام المسجد الكبير في العاصمة استوكهولم، لحماية سلوان موميكا، الذي أعلن أنه سيحرق نسخة من المصحف ويدوسه بقدميه؛ تأكيداً على انضمامه إلى تيار اليمين المتشدد. ومعروف أن الرجل لاجئ من العراق، يسعى لإقناع الطيف المعادي للمسلمين بدعم محاولاته للدخول مبكراً في الحياة السياسية.

بعد هذا بساعات كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يزور الجامع الكبير بمدينة دربند، على ساحل بحر قزوين، حيث ظهر أمام كاميرات التلفزيون وهو يضم نسخة من مصحف قديم إلى صدره، ويحيطه بيديه، بينما يحدّث مستقبليه عن احترام الدولة الروسية للقرآن والكتب المقدسة كافة، ورفضها أي إهانة أو جرح لمشاعر أتباعها «خلافاً لما يجري في دول أخرى، حيث يهان الكتاب المقدس، ولا تفعل الدولة أي شيء للتعبير عن احترام معتقدات سكانها».

جريمة حرق المصحف، قد تتحول إلى حجر زاوية في السياسات الأوروبية الخاصة بالتعدد الثقافي والهجرة والاندماج. نعلم أن هذا ليس الحادث الأول من نوعه. فقد جرى بالتفاصيل نفسها تقريباً في أبريل (نيسان) 2020، ثم في يناير (كانون الثاني) من العام الحالي. وفي المرة الأولى أثمرت الحادثة عن صدامات واسعة بين الشرطة ومهاجرين محتجين، وسجّلت إصابات وأُحرقت سيارات، واعتُقل أشخاص عدة.

الجديد في الحادث الأخير، هو تزامنه مع الصدامات الواسعة التي شهدتها فرنسا بعد مقتل الشاب الجزائري، نائل المرزوقي على يد الشرطة يوم 27 يونيو (حزيران) المنصرم. لكن هناك ايضاً حوادث عدة تساهم كلها في تحويل هذا الحادث إلى قضية متشعبة الانعكاسات، ونشير خصوصاً إلى موقف الرئيس الروسي، الذي سيجيّر من دون شك للصراع السياسي الموازي للحرب في أوكرانيا، وهو - كما نعتقد - حلقة من حلقات الصراع الأوسع نطاقاً، الذي يدور حول عودة نظام القطبية الثنائية (روسيا والصين من جهة والدول الصناعية الأخرى في الجهة المقابلة).

ويظهر أن رسالة بوتين قد وصلت فعلاً، حيث تحدث بيان للجامع الأزهر بامتنان، عن موقف الرئيس الروسي، بينما ندد بما يمكن عدّه موقفاً سلبياً من جانب الحكومة السويدية. لا أعتقد أن روسيا قد كسبت - بشكل نهائي - تعاطف العالم الإسلامي، فلديها - هي الأخرى - مشكلاتها. لكن كلمة الرئيس بوتين في الجامع القديم، قدمت جواباً للسؤال الذي يدور في أذهان الكثير من المسلمين، سؤال: من يقف معنا إذا تعرضت هويتنا أو مقدساتنا للتهديد أو الإهانة.

جواب كهذا لا بد أن يزعج التحالف الغربي؛ لأنه ببساطة يمهد الطريق لعودة التحالفات القديمة بين موسكو والعالم الثالث. وهو يشي بتحول جوهري في نظام العلاقات الدولية.

الحوادث التي تزامنت مع حرق المصحف، تشكل في مجموعها إطاراً تحليلياً جديداً، لا بد أن يؤخذ في الحسبان في الدوائر الأوروبية. ومن المحتمل أن نقاشاتهم التالية لن تتمحور حول حرية التعبير أو احترام المقدسات، كما حصل في المرة السابقة، بل حول الانعكاسات التي يمكن أن يقود إليها حادث من هذا النوع، نظير اضطرابات باريس، أو استثمار سياسي عالمي النطاق، كما يظهر من توجهات الرئيس الروسي.

هذه إذن لحظة مواتية للمسلمين في أوروبا. ومن المحتمل أن الخطاب السياسي للنخبة الحاكمة، لن ينشغل في الأيام المقبلة بمفهوم الدمج الثقافي الجبري، كما جرت العادة في الأشهر الماضية، بل سيدور غالباً حول الاستيعاب السياسي في إطار تعددي، كما فعلت بريطانيا والولايات المتحدة من قبل.

إنها فرصة لمن استوعب معناها. وأظن أن على المسلمين المسارعة في اغتنامها، بالانخراط الواسع في الحياة السياسية والمشاركة الفاعلة في الانتخابات العامة والمحلية؛ لأنها الطريق الوحيدة للحصول على ما يطالبون به، في إطار القانون.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

ثاني أردنية تترأس جاهة صلح وشيخ عشائري يرد: الجاهة ليست مشوار بل كلمة رجال

حصيلة وفيات جديدة لحادث حافلة المكلفين بخدمة العلم

إصابة 9 طلبة إثر انقلاب حافلة مدرسية في لواء بني كنانة

جريمة قتل تهز الكرك .. والأمن يكشف التفاصيل

إربد .. سائق بحالة غير طبيعية يتسبب بحادث والمفاجأة بما عُثر بحوزته

16 عاما من الانتظار .. انتهت بوفاة أماني الحجيجي

من توقيفه بسبب الدرون إلى دعوة رسمية .. قصة جو حطاب في الأردن .. فيديو

من هو الداعية إبراهيم السعودي الذي أحزن رحيله الأردنيين؟

بيان للجيش يكشف ما حدث في سماء الأردن .. وكاميرا السوسنة توثق الصواريخ

الجيش يعلن عن منح هندسية في أمريكا .. التفاصيل والشروط

القوات المسلحة تنعى شهداء الواجب وتوضح تفاصيل الحادث الأليم

مشاجرة في إربد تنتهي بطعن لاعب الحسين إربد وشقيقه .. التفاصيل

بعد شكاوى مستهلكين أردنيين .. السفارة الصينية تتدخل لحل أزمة طراز من المركبات

قصتان صادمتان تعيدان ملف حقوق الرجل بعد الطلاق إلى الواجهة في الأردن

ضبط 56 عاملة منزل مخالفة داخل 4 حافلات على طريق المطار